
مقطع الفيديو الذي نشره الرئيس الأمريكي عبر منصته “تروث سوشيال” ويُصوّر سلفه باراك أوباما وزوجته ميشيل على هيئة قردين، يحمل رسائل سياسية بالغة الخطورة بشأن ما وصلت اليه ممارسات الحكم في الولايات المتحدة في عهد ترامب الميمون …ممارسات تكشف عن حجم الانحطاط والعطب الذي اصاب قيم الديمقراطية الأمريكية ؛ وحجم الخطر الذي بات ترامب وما يمثله من مواقف وافكار وممارسات ، على أمريكا الدولة والمجتمع..
خطورة نشر هذا الفيديو -سواء عن قصد او غير ذلك – انه يستدعي ممارسات أشد مراحل تاريخ أمريكا انحطاطا وعنصرية فيما يتصل بالتعامل والنظرة إلى الامريكيين من أصل أفريقي، وهي مرحلة ظن الامريكيون أنهم غادروها منذ زمن بعيد ، لكنها لا تزال حاضرة في كل مواقف وأفعال وأقوال ترامب ومناصريه المسكونين بنزعة شعبوية متطرفة ومخيفة تتغذي على نشر الكراهية والخوف من الاخر ..سواء أكان هذا الآخر شريكا في الوطن ببشرة وملامح ملونة . او مهاجر تعيس الحظ ساقته أقداره إلى ما كان يظن انها أرض الأحلام والفرص والحريات فاذا بها أرض الأوهام والكراهية والعنصرية والخوف في تلك الحقبة البائسة من تاريخ أمريكا.
لكن خطورة الفيديو لا تقف فقط عند مضمونه العنصري المنحط ، بل في كيفية تعاطي ترامب وبعض مساعديه في البيت الأبيض مع ما اثاره هذا المقطع من موجة غضب عارمة ليس فقط في اوساط الديمقراطيين بل حتى عند أقرب المقربين إلى ترامب من الجمهوريرن ، والذين هالهم ما تضمنه من إساءة وعنصرية،وهو ما اضطرهم إلى حذفه لاحتواء الموقف ..لكن قبل حذف الفيديو خرجت الناطقة باسم ترامب والتي لا تقل عنه وقاحة وعنصرية لتقلل من شأن هذا المقطع والذي قالت إنه فيديو ساخر ..ووصفت حالة الغضب الذي تسبب فيه بانه”غضب مصطنع “.. وان هناك قضايا اهم يجب التركيز عليها. ..اما ترامب فقد رفض الاعتذار عن نشر مقطع الفيديو المسيء واكتفى بالقول انه لم يرتكب خطأ وانه لم يشاهد الجزء الذي يصور أوباما وزوجته على هيئة قرود.. هذا الموقف وقبله مواقفةكثيرة مشابهة ، يظهر اننا لسنا امام رئيس للولايات المتحدة حيث المؤسسات وحكم القانون والدستور والرقابة والمساءلة ..بل أمام رئيس دولة عالم ثالثية بلا مؤسسات ولا قانون ولا دستور .. رئيس فرد ..لا يعترف باخطائه ويرى أنه لا يخطيء وانه فوق الحساب والمساءلة ..وهذا يطرح أسئلة عديدة عن مستقبل ما كان يعرف بالنظام الديمقراطي الأمريكي قبل حقبة ترامب، وما الذي سيبقي منه بعد نهاية تلك الحقبة- هذا إذا انتهت ؟!
لكن ترامب وحقبته وكل ما فيها من ممارسات تخاطب اكثر غرائز المواطن الأمريكي انحطاطا وهي الكراهية والخوف والعنصرية ،ليست الوجه الوحيد لمحنة القيم التي تعيشها أمريكا..الدولة والمجتمع… ثمة وجه اخر اكثر انحطاطا وقبحا وعفنا كشفت عنه فضيحة وثائق رجل الأعمال وتاجر الجنس المقبور جيفري ابيستين والتي تظهر تورط عشرات الشخصيات من أبرز وجوه النخبة السياسية والاكاديمية والمالية الأمريكية في ممارسات وانحرافات جنسية واخلاقية مفزعة في قذارتها ..وهذا ما دفع صحيفة مثل صحيفة وول ستريت جورنال إلى وصف فضيحة وثائق ابيستين بأنها تكشف عما وصلت اليه النخبة الأمريكية من عفن أخلاقي وانساني…فقد أظهرت هذه الوثائق -كما تشير الصحيفة- أن كثيرا من هذه الأسماء المتورطة في فضيحة ابستين ،وعلى عكس ما كان يروج ، كان على علم بممارساته غير الأخلاقية ومنها استغلال فتيات قاصرات في ممارسات جنسية مريعة،.
وفي تقرير لها تحت عنوان “هكذا تعاطفت النخب مع جيفري أبستين” كشفت وول ستريت جورنال أن إبستين، ، تلقّى دعما معنويا ونصائح إستراتيجية من شخصيات سياسية وأكاديمية ومالية بارزة، حتى بعد إدانته امام القضاء بجرائم اخلاقية والمتاجرة بالجنس واستغلال قاصرات .
الصحيفة اوضحت أن تلك المراسلات التي خرجت إلى العلن عبر إفراجات حكومية، وملفات لمكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي)، وتسريب وثائق، تنسف السردية السائدة التي روّج لها كثير من أصدقاء إبستين بعد وفاته، ومفادها أنهم لم يكونوا على دراية بخطورة جرائمه أو مداها.
أصحاب النفوذ من النخب الأمريكية -كما تقول الصحيفة ‘ لم يكتفوا بالإبقاء على قنوات التواصل مع إبستين بعد إدانته، بل بادروا إلى مواساته، وانتقاد الإعلام، والطعن في دوافع الضحايا، وتقديم نصائح مباشرة لإعادة تأهيل سمعته العامة”.
.
الصادم في هذا الصدد هو ما كشفته الوثائق عن موقف المفكر ذائع الصيت نعوم تشومسكي ..احد اهم علماء اللغة في الولايات المتحدة في القرن العشرين واحد اكثر من انتقدوا السياسات الأمريكية وخصوصا موقفها من إسرائيل، اذ تظهر الوثائق وجود صداقة بينه وبين أبستين وانه ، اي تشومسكي نصحه بالتزام الصمت في مواجهة الاتهامات ، محذرا من أن أي رد علني لن يؤدي إلا إلى “هجوم مسموم” تقوده أطراف تسعى إلى الشهرة أو الإثارة…بل إن تشومسكي شكك في الاتهامات الخاصة بالاعتداءات الجنسية التي ارتكبها ابستين على قاصرات ، معتبرا أن الجدل العام حول ذلك بلغ حد “الهستيريا”.!!
وهكذا يتضح حجم العفن والتحلل الذي تعيشه أمريكا اليوم ..مجتمعا ونخبا ومؤسسات ..فاذا كان ترامب بممارساته الخارجة على كل القوانين والقواعد يحول هذا البلد صاحب المؤسسات العريقة إلى شبه دولة …فان ما كشفته وثائق او فضيحة ابستين عن فساد النخبة الأمريكية توضح أن المجتمع الأمريكي بلغ من التحلل مرحلة ما قبل افول الامم وانهيارها…ربما تبقي أمريكا ، في ظل ترامب وأمثاله من المتطرفين اليمنيين، أقوى دولة في العالم لسنوات قادمة ، لكنها ستبقى قوة عارية بلا قيم تسترها ولا أخلاق تحميها ولا تجربة ملهمة في الحريات والحكم الديمقراطي كما كانت يوما لملايين حول العالم ..وقد يقول قائل إن هذا الوجه القبيح لامريكا الذي أظهره ترامب وذلك العفن الذي كشفته وثائق ابستين، هو الوجه الحقيقي لهذا البلد ونخبته وهو الوجه الذي طالما تخفي وراء قناع من الشعارات البرّاقة عن الحريات والديمقراطية وأرض الأحلام..وان كل ما حدث أن هذا القناع قد سقط لا أكثر !