رؤي ومقالات

د. فيروز الولي تكتب :حين تُصبح الكرامة مشروعًا سياسيًا، وتغدو الشرعية إقامة فندقية

بقلم :
في اليمن، لا تُقاس السياسة بعدد البيانات، ولا تُوزن الشرعية بعدد الفنادق المصنّفة خمس نجوم. السياسة هنا تُقاس بشيء واحد: القدرة على التمسك بالمبدأ، مهما كان الثمن. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن فهم ظاهرة عبد الملك الحوثي وعيدروس الزبيدي، بعيدًا عن الاصطفافات العاطفية، وبعيدًا عن لغة التخوين الجاهزة.
أولًا: البعد النفسي – القائد حين يختار أن يكون “ثابتًا”
على المستوى النفسي، القائد الذي يتمسك بموقفه—صوابًا كان أو خطأ—يبعث رسالة قوة لأنصاره: أنا موجود، أنا واضح، أنا لا أرتجف. في المقابل، القائد الذي يغيّر مواقفه بحسب جدول الرحلات الدولية، يبعث رسالة لا واعية بالهشاشة والارتباك. الناس لا تحب العصمة، لكنها تكره التردد.
عبد الملك الحوثي والزبيدي قدّما نفسيهما بوصفهما مشروعين مكتملين: خطاب ثابت، أهداف معلنة، وسقف سياسي لا ينخفض بتغيّر المانحين. هذا الثبات—نفسيًا—يصنع شعورًا بالكرامة لدى الأتباع، حتى لو اختلفنا جذريًا مع النتائج.
ثانيًا: البعد الاجتماعي – حين يشعر الأتباع أنهم “أصحاب قضية”
اجتماعيًا، لا شيء يوحّد الناس مثل الإحساس بأنهم جزء من معركة لها معنى. الحوثي والزبيدي قدّما لأنصارهما سردية واضحة: نحن نقاتل من أجل كذا. بينما قدّمت ما يُسمى بـ«شرعية الفنادق» سردية مختلفة: نحن نُدير الأزمة… عن بُعد.
الفرق هنا ليس في الأخلاق، بل في الانتماء. الأول يقول للناس: “أنتم شركاء في المصير”، والثاني يقول: “أنتم موضوع بياناتنا الصحفية”.
ثالثًا: البعد السياسي – من يمتلك القرار؟
سياسيًا، الشرعية التي لا تملك قرارها لا تملك شرعيتها. القرار السياسي لا يُستورد في حقائب دبلوماسية، ولا يُدار عبر مكالمات منتصف الليل. الحوثي والزبيدي—كلٌ في منطقته—يمتلكان قرارًا سياسيًا واضح المصدر، حتى لو كان هذا القرار محل نزاع دولي.
أما شرعية الفنادق، فهي نموذج فريد: حكومة بلا أرض، ووزراء بلا وزارات، وقرارات بلا تنفيذ. كأن الدولة تحوّلت إلى ملف PDF يُرسل للمجتمع الدولي عند الحاجة.
رابعًا: البعد الاقتصادي – اقتصاد السيطرة مقابل اقتصاد الرواتب الوهمية
اقتصاديًا، من يسيطر على الأرض يسيطر على الموارد، ولو بحدها الأدنى. الحوثي والزبيدي يديران اقتصاد حرب واضح المعالم: جبايات، موانئ، ضرائب، موارد محلية. اقتصاد قاسٍ، نعم، لكنه اقتصاد فعلي.
في المقابل، اقتصاد الشرعية قائم على الرواتب الخارجية، والموازنات التي تُصرف دون أثر ملموس. اقتصاد يعيش على الأمل… وأحيانًا على التحويلات.
خامسًا: البعد العسكري – الجبهة كعنوان للسلطة
عسكريًا، لا سلطة بلا جبهة. الحوثي والزبيدي ربطا شرعيتهما بالبندقية والانضباط والسيطرة. أما الشرعية الرسمية، فقد ربطت وجودها بالتصريحات والمؤتمرات، وكأن الحرب تُدار بالميكروفون.
سادسًا: البعد القانوني والدستوري – بين النص والواقع
دستوريًا وقانونيًا، يمكن للشرعية أن تستظهر بكل المواد والنصوص، لكن القانون بلا قدرة تنفيذية يتحول إلى أدب سياسي. في المقابل، القوى المسيطرة على الأرض تفرض «قانون الأمر الواقع»، وهو قانون غير شرعي نظريًا، لكنه نافذ عمليًا.
المفارقة الساخرة: الشرعية تمتلك الدستور… ولا تمتلك الدولة. والآخرون لا يمتلكون الدستور… لكنهم يمتلكون مؤسسات تعمل.
أخيرًا: الكرامة كعملة سياسية
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع عبد الملك الحوثي وعيدروس الزبيدي، لا يمكن إنكار حقيقة واحدة: صنعوا لأنفسهم كرامة سياسية. كرامة قد نختلف معها، نعارضها، ننتقدها، لكنها موجودة.
أما شرعية الفنادق، فقد امتلكت الاعتراف الدولي، لكنها فرّطت بأغلى ما في السياسة: الهيبة. والهيبة لا تُحجز في فندق، ولا تُستأجر ببيان، ولا تُدار عن بُعد.
في اليمن، يبدو أن السؤال لم يعد: من هو الشرعي؟ بل: من الذي يشعر أتباعه أنه يمثلهم فعلًا؟
وهنا، بكل سخرية موجعة، يتقدم الواقع… ويتأخر الخطاب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى