غير مصنف

المِحْنَةُ بقلم: صلاح الدين عثمان

أيقظتني أُمّي لأشاركهم وجبةَ المساءِ على السُّفرة.
لم أكن نائمةً، فمازلتُ تحت وقعِ الصدمةِ منذ أيّام، حين حقَّرتني مُعلّمتي بلا سببٍ ظاهر.
ولم تُنصِفني إدارةُ المدرسةِ رغم الشهود.
حينها استُدعِيَ أبي، فجاء على عَجَلٍ، وقد تحسّسَ كثيراً لظرفِنا البالغِ السوء.
فقد نزحنا إلى هذه الدّولةِ إثرَ نكباتٍ متواليةٍ، والحربُ أغلقت مصدرَ رزقِه.
ألمحُ حسرةً في عينيه، وهو يُجاهدُ أن يبذلَ قصارى الممكن، وقد جعلَ من أولويّاته مواصلةَ تعليمي.
أدري أنّه استدانَ ليلحقني بهذه المؤسّسةِ التعليميّةِ ذائعةِ الصّيت، خاصّةً وقد أنشأت فروعاً لها بعد دمارِ حالها بالداخل.
وأبذلُ جهدي كي أهضمَ المنهجَ وأتفوقَ للدخولِ إلى الجامعة.
يطولُ أمدُ الحربِ والغربةِ، فأضيفُ إلى سجلِّ حياتي واقعةً جديدةً.
طولي الفارعُ الذي جعلني بطلةً في تمارينِ كرةِ السّلّة أربكني.
استدعتني المُعلّمةُ القديرةُ وأنا أتجاوزها لأصلَ إلى مقعدي في نهايةِ الصفّ، فما لبثت أن شدّتني من شعري، وفي يدي ملابسُ التمرين، فسقطتُ أرضاً.
ساومت إدارةُ المدرسةِ أبي: أن أتنازلَ عن الشكوى نظيرَ إعفائي من الرسومِ الدراسيّةِ وإرجاعِ ما سدَّدناه من قسط.
كان ردّي دموعًا.
كيف لصغيرةِ البيت أن تُوازنَ حياتها وهي تعيشُ في دوّامةٍ لا تنتهي؟
وأثناء جلوسنا على المائدةِ، وأنا أضعُ الأطباقَ عليها، أشعل أبي الرائي.
على شريطِ الأخبارِ نبأٌ يهمّني، يغسلُ جراحَ هواني:
“هذا البلدُ المضيافُ يتيحُ التعليمَ بالمجانِ في مؤسّساته للنازحين”.
فصرختُ في داخلي: لا عاشَ من يكسركَ يا أبي!
وارتميتُ في حضنه، أستمدُّ منه دفءَ الحياة.
لكنَّ الصوتَ في داخلي ظلَّ يهمس…

الإسكندرية السابع من يناير 2026م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى