كتاب وشعراء

من مواطن يمني إلى الرئيس…الكاتب اليمني إبراهيم الجهلاني

العربي اليوم

عِمتَ مساءً فخامة الرئيس…
أقولها ناعمةً هكذا رغم قلق المساءات في روزنامة هذه البلاد المرتجفة كَجنازةٍ طريَّة..
وسلامٌ عليكَ من وطنٍ فقد رفاهية السلام مُذْ تعثرت خُطاه بِأقدام الحرب.
أَفَخامة الرئيس، إنني أكتب إليكَ هذه الرسالة في تمام التاسعة إلا ربع أزمة بتوقيت الحصار…!
أكتب إليكَ وأنا أمسكُ بيدي اليمنى عصًا أتحسس بها لوحة مفاتيح الهاتف جيدًا، كيلا أدوس لُغمَ أزمةٍ محمومة.. وبِالأُخرى سبحةً أستغفر أحرفي مأزقًا مأزقًا..!
أكتب إليكَ من مدينةٍ وقَعَت _ على سهوٍ منكَ _ في فَخِّ معركةٍ نَهِمَة؛ لِتصبح الحياة فيها ضربًا من الإثم، لا يدري أحدنا أين يهرب ليعيشها.!
أَفَخامة الرئيس،
أكتب إليكَ وأنا أسمع خطوات عودة جارتي المُسِنَّة حاملةً على رأسها بعض الحطب، وهي تدسُّ الوَهَنَ في جوارب المكابرة، هكذا في سبيل أن تطهو وجبة عشاء لِأحفادها اليتامى..!
أكتب إليكَ والنسوةُ في الخارج يقفنَ صفًّا في طوابير المياه، متوشحات بِنَزَقِ العجائز، وكل رجائهنَ أن يعدنَ ولو ببضعة لتراتٍ لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة..!
أكتب إليكَ بِلِسان لاهثةٍ من شدة العطش، وبِجواري قنينة ماءٍ فارغة، وكمينٌ مِن سَراب.!
أكتب إليكَ مِن زاويةٍ معتمةٍ إلا من بعض الشموع المهدورة على المنضدة، تلك التي لا تسعفني لِقراءة دروسي الجامعية حتى.!
أكتب إليكَ وأنا أحمل هَمَّ المواصلات إلى الجامعة عند الصباح.. والدرجة التي سيحرمني منها أستاذ المقرر، إذْ لم أُعِد له التكليف بِشكلٍ كاملٍ وقد خاناني الكهرباء والحِبر..
أكتب إليكَ بعد شجارٍ حادٍّ مع بَقَّال الحَي، وقد أوقف حسابي بسبب ديوني المتراكمة في سجلاته دون سداد..
أكتب إليكَ وأنا ألعنُ نفاد علبة السجائر، وعطلاً في القداحة..!
فخامة الرئيس،
أنا أحد أبناء شعبكَ إبراهيم الجهلاني، وأعلم تمامًا أن هذا الاسم لا يعني لكَ شيئًا.. لكنني أدليت بِهِ طاعةً لِعَسَى وما قد يأتي بعدها….
أنا الشاب الذي أنفقَ عقدًا ونيفًا من عمره في أسواق الحرب المسعورة…
شابٌّ في أوخر العشرين إن اتكأت على تقويم الأمهات..
وكهلٌ بلغ مأساة الرشد حين أركنُ إلى سجلات الحروب التي أحصتني قذيفةً قذيفة.!
أنا ابن بلدتكَ ومسقط رأسكَ تعز، المدينة المنسية على رفوف القرارات تصارع الأترِبة عقدًا من الانتظار.
هكذا وبلا فاتحةٍ خجلى أو مقدمات…
كَأيِّ يمنيٍّ يرتقب قرارًا يُرمم هذا الوطن؛
أتخذ من صفحتك الشخصية بيتًا ومقيلاً ومأوىً _ هذه الآونة _ في سبيل تناول ما تيسر من القرارات طازجةً فور نضوجها…
وكَغيري من أبناء هذه المدينة المتفسخة بالعطش القاتل وكل مسببات الهلاك…
أُلقي بِصنارةِ معاناتي في نهر الرئاسة، عَلَّنِي أصطاد تعميمًا حاسمًا، أو اجراءً مغموسًا بِالشجاعة..
كي ألملم مدينتي أزمةً أزمة…
هكذا كَحِيلةٍ مني على الوضع المأزقي، وتذاكٍ على الأزمات.
صدقني فخامة الرئيس، إنني أفعل هذا خِدمةً لِأنينِ هذه المدينة، ونجدةً لاستغاثاتها المهدورة زمنًا على قارعة السلطات…
عَسايَ أحيكُ من تعميماتكَ ضمادات لِجراحها النازفة، أو أُمًّا رؤومًا تجمعها في حضنها شَهقةً شهقة.
لكنكَ _ لِسببٍ ما _ ترمي بِقراراتكَ هنا وهناك متجاهلاً تعز، كأنكَ تتعمد ذلك، كما لو أنكَ تخرج لِسانك ساخرًا في وجهها.!
ماذا أحدث عن تعز يا فخامة الرئيس؟
فمسقط رأسكَ منسيةٌ من الخدمات لم ينفذ مشروعًا واحدًا تتكئ عليه مُذْ قالت الحرب كلمتها…
مسقط رأسكَ كَيتيمةٍ تدعكها الأوضاع بِالأزمات، وبِالوجع..
مسقط رأسكَ عطشى تلهث خلف صهاريج المياه مستجديةً شربة ماء..!
مسقط رأسكَ متفسخةٌ بالصرف الصحي، وبالذباب….
مسقط رأسكَ دونما مرتبات… دونما كهرباء… متدثرة بِالظلام، تمامًا كحداد أبنائها المقهورين..
مسقط رأسكَ محاصرةٌ منذ عقدٍ من الزمن.
مسقط رأسكَ مثخنةٌ بِالجراح، ترشقها المليـ ـشيا بالقذائف بين الحين والآخر..
مسقط رأسكَ يهتك عفتها العصاة، ويلهو بِشراشف طهرها أبناء الخطيئة.!
أفخامة الرئيس، كُن الولد البار بِمدينتك، لِتكون أنت..
فمِن تعز تقف الدِّوَل، ومِن تعز تَسقط الأنظمة..
فلا تُسقِطوا حقوقها؛ فَتَسقُطوا.!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى