
خرجوا من رحمِ جزيرةِ العار،
بجلودٍ صَقَلَتْها المَكائدُ
لا الشَّمس،
وغَسَلوا أيديهم
بمساحيقِ البلاغة
حتى بدا الدَّمُ
لغةً مقبولة.
جلسوا خلفَ طاولاتٍ
مَصقولةٍ كالمرايا،
لا ليروا الحقيقة،
بل لِيُعيدوا إنتاجَها
على مقاسِهم،
وخاطوا للعالَم—
بضمائرَ مُستعارة—
أثوابًا من نورٍ
يُتقنُ التزييف.
هبطوا في مداراتِنا
ببدلاتٍ
تفيضُ عطرًا مُقنِعًا،
وأرواحٍ مثقوبة
يعوي فيها الفراغ.
فوق مقاعدِ طائراتهم
لم تكن خرائطُ غزوٍ فحسب،
بل مخطوطاتُ محوٍ:
لِيُصادِروا الذاكرة
قبل الحقول،
ويُعيدوا تعريفَ الحلم
بوصفِه خطرًا
يجبُ ضبطُه.
لم يكتفوا بسرقةِ القمح
من سنابلِنا،
ولا بتبديلِ أسماءِ الشوارع،
بل سطَوا على الحقِّ اليتيم
الذي سقط سهوًا
من مواثيقهم:
أن نحلم
كما نشتهي نحن،
لا كما يُسمَح لنا.
ثم رحلوا…
تاركين خلفهم
رمادَ المعنى،
وأسئلةً مُعلَّقة
في جِباهِنا:
هل كنّا أحرارًا يومًا،
أم كنّا
نُحسِنُ تقليدَ الحرية
وفق دليلِهم الإرشادي؟
غادروا…
لكنهم تركوا
فكرةً لا تغادر:
أنَّ القوّة
حين تتخفّى في اللغة،
وتتجمّل بالأخلاق،
تصيرُ نظامًا،
ويصيرُ الإخضاع
منهجًا
لا يحتاجُ إلى جند.