
“إبستين كإلهاء استراتيجي : تصفية القضية الفلسطينية بهدوء”
ميخائيل عوض / لبنان
في زمن الغليان العالمي وتسارع الأحداث، تتكدّس القضايا فوق بعضها حتى يكاد الوعي العام يعجز عن المتابعة والتمييز بين الأساسي والهامشي، بين ما يُضخَّم عمدًا وما يُمرَّر في الظل.
فضيحة إبستين أداة إلهاء كبرى، تُستثمر أخلاقيًا وإعلاميًا، بينما تُنفَّذ في الخلفية أخطر مشاريع العصر : تصفية القضية الفلسطينية، وإعادة هندسة الصراع من تقسيم الجغرافيا إلى تقسيم البشر.
هذه القراءة لا تقف عند حدود الإدانة الأخلاقية، بل تسعى إلى تفكيك المنظومة التي تنتج التوحش، وتعيد تعريف الصراع بوصفه صراعًا على الإنسان أولًا، وعلى وعيه وقيمه ومكانه في العالم
أولًا: إبستين… من الفضيحة إلى وظيفة الإلهاء
لماذا الآن ؟ ؟ ولماذا هذا النفخ الإعلامي المتأخر لقضية إبستين؟ فالفضائح الأخلاقية، بما فيها الاعتداء على الأطفال، ليست طارئة على التاريخ الإنساني ولا حكرًا على طبقة أو مؤسسة. الكنيسة المسيحية، ومؤسسات دينية ومدنية أخرى، شهدت فضائح مشابهة دون أن تتحول إلى «قنبلة نووية إعلامية».
الجواب، بحسب التحليل، يكمن في وظيفة الإلهاء. فإبستين يتحول إلى شاشة إسقاط أخلاقية تشغل الرأي العام، وتستنزف طاقته العاطفية، بينما يُترك المجال مفتوحًا لارتكاب جرائم أشد خطورة، وأكثر دموية، ولكنها أقل إثارة إعلامية: الإبادة، التجويع، التهجير، وسلب الحقوق الجماعية.
التوحش هنا ليس فعلًا فرديًا شاذًا، بل نتاج نظام اقتصادي–سياسي متوحش، يمارس الاغتصاب بمعناه الواسع: اغتصاب الطفولة، اغتصاب الجسد، اغتصاب العقل، واغتصاب الحق في الحياة.
ثانيًا: غزة والضفة… الجريمة التي تُرتكب في وضح النهار
بينما ينشغل العالم بفضائح النخبة، تُرتكب في غزة والضفة الغربية جرائم مكتملة الأركان
قتل الأطفال لأنهم أطفال.
قتل النساء لمنع استمرار الحياة.
تجويع المدنيين، واستدراجهم إلى مصائد الموت باسم الإغاثة.
تدمير المخيمات، وقطع الخدمات، ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة الصامتة.
وفي الضفة الغربية، يتقدّم مشروع التصفية بخطوات مدروسة عبر تسليح مئات آلاف المستوطنين، إطلاق يدهم دون محاسبة، تدمير مصادر الرزق، واقتلاع الفلسطيني من أرضه تدريجيًا. ويأتي تشريع قوانين مثل هدم بيوت الأسرى، والاستيطان في غور الأردن، في سياق قانوني–مؤسسي لتكريس الجريمة.
وهنا سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا قاسيًا: أين العرب؟ أين المسلمون؟ أين القوى التي طالما رفعت شعار فلسطين؟ الصمت لم يعد عجزًا، بل خيارًا واعيًا، ومشاركة غير مباشرة في الجريمة.
ثالثًا: من تصفية فلسطين إلى إعادة بعث الأممية المناضلة
رغم هذا المشهد القاتم، لا يتوقف التحليل عند حدود اليأس. فاستحضار القضية الفلسطينية، في الكتابة والنقاش والفعل، هو فعل مقاومة بحد ذاته. إلى ملامح عودة الأممية الثورية، خصوصًا في أوساط الشباب العالمي، التي بدأت تترك أثرها حتى في قلب الولايات المتحدة، كما ظهر في تراجع نفوذ اللوبيات التقليدية داخل الكونغرس.
القضية الفلسطينية، في هذا المعنى، ليست قضية محلية أو قومية فحسب، بل معيارًا إنسانيًا كونيًا، واختبارًا لقيم الحرية والعدالة في العالم كله.
رابعًا: الصراع السعودي–الإماراتي… ما تحت السطح
ينتقل النقاش إلى محور آخر لا يقل خطورة عن التباينات والتصادمات المتصاعدة بين السعودية والإمارات. هذا الصراع، بحسب القراءة، لا يمكن فصله عن مشاريع الهيمنة الإسرائيلية–الأمريكية في المنطقة، من اليمن إلى البحر الأحمر، ومن الخليج إلى بلاد الشام.
السؤال ليس من ينتصر تكتيكيًا، بل أي مشروع يُخدم استراتيجيًا؟ وأي دور يُراد لهذه الكيانات أن تلعبه في إعادة رسم خرائط النفوذ؟
خامسًا: توماس براك… من تقسيم الجغرافيا إلى تقسيم البشر
يبلغ التحليل ذروته عند تفكيك أفكار توماس براك، أحد أخطر مهندسي المرحلة. براك لا يدعو إلى تكرار نموذج سايكس–بيكو القائم على تقسيم الجغرافيا وبناء دويلات هشة، بل يطرح نموذجًا أخطر “تكبير الجغرافيا مقابل تفتيت البشر وتقسيمهم”.
الفكرة الجوهرية هنا هي نقل الصراع من مستوى الأرض إلى مستوى الهوية. بدل دول متماسكة بهويات جامعة، تُنتج جماعات متناحرة داخل فضاءات جغرافية واسعة، تُدار بسلطات وظيفية، وتُستنزف في صراعات ثانوية، تمهيدًا للهيمنة الكاملة على الأرض والثروة والإنسان.
هذا المشروع لا يسعى إلى السلام، بل إلى إدارة صراع دائم، يُفقد البشر قدرتهم على الفعل الجماعي، ويحوّلهم إلى قطعان متصارعة، قابلة للإخضاع أو الإبادة عند الحاجة.
معركة الوعي قبل فوات الأوان
إن ما يجري ليس سلسلة أحداث معزولة، بل مسار استراتيجي متكامل. إبستين ليس سوى أداة إلهاء، وفلسطين ليست سوى الحلقة الأكثر وضوحًا في مشروع أوسع، يستهدف الإنسان ذاته.
المعركة اليوم هي معركة وعي، وعي بطبيعة التوحش، ووعي بخطورة تحويل البشر إلى هويات متناحرة، ووعي بضرورة استعادة القيم الإنسانية الجامعة. من دون هذا الوعي، يصبح العالم نفسه عبئًا على البشرية،
وهنا، تصبح المشاركة، والنقاش، وإنتاج المعرفة، أفعال مقاومة لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال.
🖋 ميخائيل عوض