رؤي ومقالات

الدعاية والتهيئة في المشهد الأمريكي تجاه إيران…بقلم حيدر البرهان

الخلفية التاريخية: جذور الصراع المتشابكة

يعود التوتر الأمريكي-الإيراني إلى عقود من الصراع بدأت مع الانقلاب المدعوم أمريكياً عام 1953 الذي أطاح برئيس الوزراء محمد مصدق، مروراً بأزمة الرهائن عام 1979، وحتى الخلافات الحالية حول البرنامج النووي الإيراني. ما يجعل هذا الصراع فريداً هو طابعه المتعدد الأبعاد:

1. البعد الجيوسياسي: إيران تشكل عقدة استراتيجية في “قلب العالم” حسب مفهومي السياسي الشخصي، تتحكم بمضيق هرمز الذي يمر عبره 20-30% من النفط العالمي.

2. البعد الأيديولوجي: الصراع بين الجمهورية الإسلامية (التي ترفض الهيمنة الغربية) والنموذج الأمريكي الذي يسعى لفرض نظام عالمي ليبرالي.

3. البعد الاقتصادي: تمتلك إيران رابع أكبر احتياطي نفطي وثاني أكبر احتياطي غازي عالمياً.

آليات الضغط الأمريكي: أكثر من مجرد عقوبات

1. الحرب الاقتصادية الشاملة

· العقوبات المصرفية: عزل النظام المالي الإيراني عبر سويفت (SWIFT) ومنع التعامل بالدولار
· حصار النفط: خفض الصادرات النفطية الإيرانية من 2.5 مليون برميل يومياً (2018) إلى أقل من 300 ألف برميل
· عقوبات القطاعات الحيوية: شملت الصناعة، النقل، المعادن، والتكنولوجيا

2. الحرب الإلكترونية والاستخباراتية

· هجمات إلكترونية متطورة: كبرنامج ستاكسنت (Stuxnet) الذي أضر بأجهزة الطرد المركزي الإيرانية
· عمليات الاغتيال الاستخباراتية: مثل اغتيال قاسم سليماني 2020
· حروب المعلومات: اختراق وسائل الإعلام والتأثير في الرأي العام الإيراني

3. الحرب بالوكالة

· دعم المعارضة: تمويل وتدريب جماعات معارضة داخل إيران
· التحالفات الإقليمية: تعزيز التحالف مع إسرائيل والدول العربية المعادية لإيران
· عمليات نفسية: بث برامج عبر فضائيات موجهة للشعب الإيراني

صناعة الإجماع: كيف يتم تهيئة الرأي العام الأمريكي؟

الآليات الإعلامية:

1. تأطير الخطاب (Framing): تقديم إيران كـ “دولة مارقة” و”راعي للإرهاب”
2. التركيز الانتقائي: تضخيم التصريحات المتشددة لقادة إيرانيين وتجاهل الخطابات الدبلوماسية
3. استخدام الرموز العاطفية: ربط إيران بحزب الله وحماس وبعض الميليشيات في العراق
4. تجاهل السياق: إغفال التاريخ الاستعماري ودور الولايات المتحدة في دعم صدام حسين خلال الحرب العراقية-الإيرانية
5.استغلال حالة الغليان الشعبي والاحتجاجات السياسية وأشعلها اكثر واكثر لتبرير التدخل المباشر في مواجهة الحكومة الايرانية، وقد ذكرها ترامب بان اي قتل للمحتجين سوف يليه التدخل الأمريكي حيث قال بالمعني الحرفي

( تطلقون النار ونحن نطلقها أيضاً You shoot, We too shoot)

المؤسسات الفاعلة:

· مراكز الأبحاث (Think Tanks) الممولة من قبل لوبيات مؤثرة
· اللوبي الإسرائيلي (AIPAC) وأثره على الكونغرس
· شركات الدفاع التي تستفيد من تصنيع “العدو الإيراني”

تحليل السيناريوهات المستقبلية: احتمالات متعددة

السيناريو الأول: التصعيد المحدود (الأكثر ترجيحاً)

· استمرار الحرب الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية
· مواجهات غير مباشرة في سوريا والعراق واليمن
· هجمات إلكترونية متبادلة
· احتمالية ضربات جوية محدودة ضد منشآت نووية أو عسكرية

السيناريو الثاني: التفاوض والتفاهم (متوسط الاحتمال)

· عودة للاتفاق النووي مع تعديلات
· صفقات إقليمية تقسم النفوذ في سوريا والعراق واليمن
· تخفيف تدريجي للعقوبات مقابل تنازلات إيرانية

السيناريو الثالث: المواجهة الشاملة (الأقل احتمالاً)

· حرب تقليدية شاملة ذات تكلفة باهظة
· إغلاق مضيق هرمز وتأثير كارثي على الاقتصاد العالمي
· تدخل قوى دولية (روسيا، الصين) بشكل مباشر أو غير مباشر

العوامل المانعة للحرب الشاملة:

1. التكاليف الاقتصادية: قد تصل تكلفة الحرب المباشرة لتريليونات الدولارات
2. المخاطر الجيوسياسية: احتمال تدخل روسيا والصين بشكل أكبر في المنطقة
3. الوضع الداخلي الأمريكي: انقسام الرأي العام وعدم وجود إجماع على حرب جديدة
4. القدرات الإيرانية الردعية: منظومات صاروخية متطورة وحلفاء إقليميين
5. الأولويات الأمريكية الأخرى: التنافس مع الصين وأزمة أوكرانيا

تأثيرات إقليمية ودولية:

على المستوى الإقليمي:

· تعميق الانقسام الطائفي والسياسي
· سباق تسلح تقليدي ونووي محتمل
· زعزعة استقرار دول مجاورة

على المستوى الدولي:

· اختبار نظام عدم الانتشار النووي
· تحديات لسياسة الطاقة العالمية
· إعادة رسم التحالفات الإقليمية

الخلاصة: لعبة استراتيجية طويلة المدى

المواجهة الأمريكية-الإيرانية ليست حدثاً عابراً بل صراع وجودي يستند إلى رؤى استراتيجية متعارضة. الولايات المتحدة تهدف للحفاظ على هيمنتها الإقليمية، بينما تسعى إيران لتعزيز نفوذها وتأمين بقاء نظامها.

الدعاية والتهيئة الإعلامية ليست مجرد تكتيك مؤقت بل جزء من استراتيجية شاملة لخلق واقع جديد في المنطقة. رغم أن الحرب الشاملة غير مرجحة في المدى المنظور، إلا أن استمرار سياسة “الضغط الأقصى” يزيد من مخاطر الانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة.

الأمر الأكيد أن شعوب المنطقة تدفع الثمن الأكبر، سواء عبر الفقر الناتج عن العقوبات، أو عدم الاستقرار السياسي، أو التهديد الدائم بصراع واسع النطاق. الحل الدائم يحتاج لإعادة نظر جذرية في السياسات القائمة على الاحتواء والعقاب، نحو نموذج جديد يعترف بالمصالح المشروعة للجميع ويؤسس لتعاون إقليمي يستند إلى المنفعة المتبادلة بدلاً من الهيمنة والصراع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى