عبقرية التكوين وصمود اليقين : سيرة الأستاذ الدكتور حسن الشافعي – دراسة تحليلية في فكره ومنهجه وأثره الحضاري
بقلم: الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

عبقرية التكوين وصمود اليقين: سيرة الأستاذ الدكتور حسن الشافعي – دراسة تحليلية في فكره ومنهجه وأثره الحضاري
بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
مقدمة
لم تعد دراسة سير العلماء الكبار في الفكر الإسلامي المعاصر مجرد توثيقٍ تاريخي لمسارات فردية، بل غدت مدخلًا أساسيًا لفهم تحولات العقل الإسلامي، وأنماط اشتغاله مع التراث، واستجابته لتحديات العصر السياسية، والثقافية، والمعرفية. وفي هذا السياق، تبرز سيرة الأستاذ الدكتور حسن الشافعي بوصفها نموذجًا استثنائيًا لعالِمٍ جمع بين صرامة التكوين العلمي، وعمق التجربة الإنسانية، وثبات الموقف الأخلاقي، في زمنٍ كثرت فيه الاضطرابات الفكرية والانقسامات المنهجية.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن مشروع الدكتور حسن الشافعي لا يمكن اختزاله في إنتاجٍ أكاديمي أو أدوارٍ مؤسسية، بل هو مشروع حضاري متكامل، تتقاطع فيه مسارات العلم، والتربية، والفكر، واللغة، والحوار الثقافي.
فـ”عبقرية التكوين” التي ميّزت مسيرته لم تكن نتاج نبوغٍ فردي فحسب، بل ثمرة تفاعل خلاق بين الأزهر ودار العلوم، وبين التراث الإسلامي العميق والمناهج الحديثة، وبين المعاناة الشخصية والالتزام العام. أما “صمود اليقين”، فقد تجلّى في ثباته على المبادئ، ورفضه المساومة الأخلاقية، وقدرته على تحويل المحنة إلى طاقة معرفية منتجة.
وتسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة لسيرة الدكتور حسن الشافعي، تتجاوز السرد الوصفي إلى تفكيك مكوّنات منهجه الفكري، ومواقفه العلمية، وأثره الحضاري في مجالات متعددة، من علم الكلام والفلسفة الإسلامية، إلى التصوف السني، واللغة العربية،
والعمل المؤسسي، والحوار بين الحضارات. كما تولي الدراسة اهتمامًا خاصًا بإنتاجه الفكري، من خلال تحليل كتابيه “حياتي في حكاياتي” و”مدخل إلى ابن رشد الحفيد”، بوصفهما تجسيدًا حيًا لوحدة المشروع بين السيرة والمنهج، وبين التجربة الذاتية والرؤية المعرفية.
ويأتي إدراج القصيدة التكريمية في ختام العمل بوصفه بعدًا رمزيًا وثقافيًا، يؤكد أن الأثر الحقيقي للعالِم لا يُقاس فقط بما كتب، بل بما أحدثه من صدى إنساني ومعرفي عابر للحدود، وأن العلاقة بين العلم والوفاء، وبين الفكر والوجدان، تظل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الحضارية للأمم.
الفصل الأول: التكوين الاستثنائي والفرادة العلمية
وُلد حسن الشافعي في 29 رجب 1349هـ الموافق 19 ديسمبر 1930م، وتمثل حفظه للقرآن في صغره ثم التحاقه بمعهد القاهرة الديني عام 1944 اللبنةَ الأولى لتشكيل وعيٍ دينيٍ ولغويٍ مُبكِّر.
1.1. ظاهرة التكوين المزدوج
في عام 1953، اختطّ لنفسه مسارًا أكاديميًا نادرًا بالانخراط المتزامن في كليتي:
• كلية أصول الدين بالأزهر الشريف.
• كلية دار العلوم بجامعة القاهرة.
لم يكن هذا الجمع مجرد تحصيلٍ علميٍ مزدوج، بل اندماجًا بين منهجيتين رصينتين:
• المنهج الأزهري: المتجذر في التراث، المتمسك بالأصالة.
• المنهج الدارعمي: المزاوج بين الأصالة والمناهج النقدية الحديثة.
2.1. التفوق العلمي المبكر
تخرج عام 1963 من الكليتين معًا، وحصل على **مرتبة الشرف الأولى** في دار العلوم، ليعُيَّن معيدًا في قسم الفلسفة الإسلامية، وهو القسم الذي سيصبح لاحقًا منبرًا لتجديده الفكري.
الفصل الثاني: فلسفة المحنة.. السجن كأكاديمية للصبر
لم تكن حياة الشافعي مفروشةً بالورود؛ بل شكّلت الابتلاءاتُ السياسيةُ عمقَه الإنساني والفكري:
1.2. الاعتقال الأول (1954–1960)
أُعتقل وهو في الفرقة الثانية بدار العلوم، وحُكم عليه بالمؤبد عسكريًا. قضى ست سنوات في السجن، خرج بعدهما أكثر عزيمةً وإصرارًا على مواصلة مشروعه العلمي.
2.2. الملاحقات المتكررة (1964–1970)
أعيد اعتقاله مرارًا بسبب انتمائه الفكري والسياسي، إلا أن ذلك لم يثنه عن البحث العلمي، حيث نال الماجستير عام 1969 بدراسة عميقة عن سيف الدين الآمدي، مما يعكس ميله المبكر إلى ضبط الفكر الكلامي.
الفصل الثالث: الأثر في الفكر العالمي والرد على الاستشراق
مثّلت بعثته إلى جامعة لندن محطةً مفصليةً في مساره:
1.3. إتقان اللغة والأدوات*
أتقن الإنجليزية واطلع على المناهج الغربية من الداخل، مما أهله للتعامل النقدي مع الخطاب الاستشراقي.
2.3. مواجهة المستشرقين
واجه الشبهات الفكرية التي يثيرها المستشرقون بمنهجية نقدية متينة، فكّكتها من جذورها.
3.3. رسالة الدكتوراه (1977)
أنجز رسالته عن “تطور علم الكلام الاثناعشري في القرن السابع الهجري” في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS)، مثبتًا قدرة العقل الإسلامي على التحليل المقارن والمنضبط.
الفصل الرابع: الأثر العلمي والديني.. تجديد علم الكلام والتصوف السني
1.4. علم الكلام المعاصر
من خلال كتابه “علم الكلام بين ماضيه وحاضره”، أعاد الاعتبار لهذا العلم كأداةٍ لحماية العقيدة بالعقل، لا مجرد جدل تاريخي.
2.4. التصوف المنضبط
كرئيس للاتحاد العالمي لعلماء الصوفية، قدّم نموذجًا للتصوف السني المعرفي الذي يربط التزكية بالعمل، بعيدًا عن الخرافة والانعزال.
3.4. المرجعية المشيخية
دوره في هيئة كبار العلماء ومجلس حكماء المسلمين وضعه في قلب صناعة الفتوى الرصينة التي تراعي مقاصد الشريعة وتحديات العصر.
الفصل الخامس: الأثر الثقافي واللغوي.. سدانة لغة الضاد
كانت رئاسته لمجمع اللغة العربية بالقاهرة (2012–2020) لحظة فارقة؛ فهو أول أزهري يتبوأ هذا المقعد.
1.5. التعريب والتحديث
قاد المجمع بروح تجمع بين الحفاظ على جزالة اللفظ واستيعاب مستجدات العلوم.
2.5. الأدب والشعر
كان ناقدًا بصيرًا بجماليات النص، يرى في اللغة وعاءً للهوية وجدارًا أمام التغريب الثقافي.
الفصل السادس: الأثر السياسي والدبلوماسي.. الحكيم في مهب العواصف
اتسمت مواقفه بـ “الأخلاقية المبدئية” التي تترفع عن المناورات الحزبية:
1.6. الدبلوماسية العلمية
كرئيس للجامعة الإسلامية في إسلام أباد، كان سفيرًا فوق العادة لمصر والأزهر، حيث عزز القوة الناعمة الإسلامية عبر جسور التعاون الثقافي.
2.6. الاستقلال الفكري
تجلّى في مواقفه التاريخية عام 2013، حيث فضّل “براءة الذمة” وإعلاء حرمة الدم على التماهي مع السلطة.
الفصل السابع: الأثر الاقتصادي والمجتمعي.. التعليم كقاطرة للتنمية
1.7. بناء المؤسسات
أسهمت إدارته لجامعات كبرى في السودان وباكستان ومصر في تخريج كوادر تقود العمل التنموي.
2.7. الترجمة
من خلال ترجمة أعمال مثل “تاريخ التشريع الإسلامي” لكولسون، ساهم في نقل الخبرات القانونية والمنطقية اللازمة للبناء المؤسسي.
الخاتمة: الأثر الممتد والتقييم النهائي
إن أثر الدكتور حسن الشافعي لم يكن عبر التنظير المباشر فحسب، بل عبر “صناعة الإنسان”؛ فالإنسان الذي تخرج من تحت عباءته هو إنسان:
• اقتصاديًا: يؤمن بقيمة العمل والإتقان.
• سياسيًا: يرفض الاستبداد ويتمسك بالحرية والعدل.
• دبلوماسيًا: يحاور العالم بلغة العصر مع الاعتزاز بالهوية.
لقد كان الشافعي تجسيدًا لقوله تعالى: **”مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ”** [الأحزاب: 23]. إن سيرته تعلمنا أن العالم الحقيقي هو من يكتب بمداده ما
يعيشه بوجدانه.
ملحق: التحولات المنهجية في فكر الدكتور حسن الشافعي
وجه المقارنة مرحلة القاهرة (الأزهر ودار العلوم) مرحلة لندن (جامعة لندن) – SOAS) )
المنبع المعرفي النصوص التراثية، حفظ المتون، اللغة العربية والمنطق القديم المناهج النقدية الغربية، الفلسفة الحديثة، أطروحات المستشرقين
المنهجية البحثية المنهج التحليلي الاستنباطي، شرح وتدقيق آراء الأقدمين. المنهج التاريخي المقارن، رصد تطور الأفكار ومقارنتها
لغة الخطاب خطاب أكاديمي تراثي موجه للنخبة العلمية العربية والإسلامية. خطاب عالمي حجاجي موجه للعقل الغربي، يتسم بالقدرة على التفنيد
التعامل مع الشبهات الرد بالمنطق العقلي الكلامي التقليدي (دفاعي). تفكيك الشبهات عبر النقد المعرفي وفهم السياق الثقافي (هجومي وقائي).
الرؤية للتجديد التجديد بإعادة إحياء التراث وتنقيته. التجديد بالمعاصرة والاشتباك مع القضايا الحديثة.
أبرز الثمرات الماجستير في “الآمدي وآراؤه الكلامية” (توطين المنهج). الدكتوراه في “تطور علم الكلام” (عولمة المنهج).
ملحق: الأوسمة والجوائز
1. جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام (2022)
نالها تقديرًا لمسيرة سبعين عامًا في الإسهام العلمي والخدمة المؤسسية والدفاع عن العربية.
2. جائزة مجلة النهضة العربية الهندية للتفوق (2021)
مُنحت له تقديرًا لأثره العابر للحدود، خاصة في شبه القارة الهندية.
3. التكريمات الأكاديمية
• رئاسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة لفترتين متتاليتين.
• عضوية هيئة كبار علماء الأزهر.
• رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء الصوفية.
خلاصة القول:
إن الدكتور حسن الشافعي يمثل نموذجًا فريدًا للعالم الموسوعي الذي جمع بين الأصالة والمعاصرة، والثبات على المبدأ مع المرونة في الوسيلة. لقد كانت سيرته مدرسةً في الصبر والعلم والأخلاق، وستبقى إنجازاته منارةً للأجيال القادمة.
الفصل الثامن: تجليات عبقرية التكوين وصمود اليقين في كتابَي حسن الشافعي: قراءة تحليلية
ينطلق هذا الفصل من قراءة تحليلية في كتابين مركزيين من إنتاجه الفكري، يكشف كلٌّ منهما عن بعد مكمل للآخر في تشكيل مشروعه العلمي والحضاري. فالكتاب الأول “حياتي في حكاياتي”يمثل سيرة فكرية وأدبية تتجاوز حدود البوح الذاتي، لتغدو شهادة معرفية على مرحلة كاملة من تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، حيث تتقاطع التجربة الشخصية مع الذاكرة الجماعية،
ويتحوّل السرد إلى أداة نقد وتأمل في قضايا الدين، والثقافة، واللغة، والمجتمع. أما الكتاب الثاني “مدخل إلى ابن رشد الحفيد” فيمثّل ذروة المنهج العقلي التحليلي عند الشافعي، ويجسّد رؤيته في قراءة التراث الفلسفي قراءة علمية منضبطة، تستعيد ابن رشد بوصفه نموذجًا للتكامل المعرفي والتوفيق بين الحكمة والشريعة.
ويهدف هذا الفصل إلى إبراز وحدة المشروع الفكري بين الكتابين، من خلال تتبع خيوط المنهج، ومقاصد التفكير، وأنماط الاشتغال العلمي، وصولًا إلى استجلاء الأثر الحضاري الذي تركه الشافعي في مجالات الفكر الديني، والفلسفة الإسلامية، واللغة العربية، والحوار الثقافي. فالسيرة هنا ليست مجرد سرد، والفلسفة ليست مجرد تحليل، بل كلاهما يشكلان معًا تعبيرًا عن عبقرية التكوين وصمود اليقين في مسار عالم ظل وفيًا للعقل، وللتراث، ولرسالة العلم.
1) حياتي في حكاياتي: سيرة فكرية وأدبية في مرآة الذات والذاكرة الجماعية
يمثل كتاب حياتي في حكاياتي للأستاذ الدكتور حسن الشافعي وثيقة فكرية وأدبية بالغة الأهمية، تجمع بين السيرة الذاتية والتحليل النقدي، وبين التجربة الفردية والذاكرة الجماعية للأمة. يقدّم المؤلف شهادته على مرحلة تاريخية وفكرية غنية، من خلال تفاعله مع أعلام الفكر والدعوة، ومشاركته في مؤسسات علمية وثقافية كبرى، مما يجعل الكتاب نصًا مركبًا يتجاوز حدود السيرة إلى فضاء النقد والتأمل.
أولا: البنية الأدبية والفكرية للكتاب
• الأسلوب: لغة رصينة، تجمع بين السرد الأدبي والتحليل الفكري.
• الموضوعات: السيرة الذاتية، النقد الثقافي، التجربة الدعوية، المواقف السياسية والدبلوماسية.
• القيمة الأدبية: تحويل التجربة الفردية إلى نصّ جماعي يعكس هموم الأمة.
ثانيا: الأثر الفكري والأدبي
• الأثر الفكري: يعزز مركزية العقل النقدي في الفكر الإسلامي الحديث.
• الأثر الأدبي: يثري أدب السيرة الذاتية بتحليل نقدي معمّق، ويضيف بعدًا فلسفيًا إلى النصوص السيرية.
ثالثا: الأثر الثقافي والاجتماعي والديني
• الثقافي: يبرز دور اللغة والتراث في بناء الهوية، خاصة عبر تجربة مجمع اللغة العربية.
• الاجتماعي: يقدم رؤية إصلاحية تربط بين الدين والمجتمع والتعليم.
• الديني: يعكس دفاع المؤلف عن العقيدة والتصوف السني، ويبرز دور العلماء في تجديد الفكر الديني.
رابعا: الأثر التاريخي والسياسي والدبلوماسي
• التاريخي: يوثّق مرحلة مهمة من الفكر الإسلامي المعاصر.
• السياسي: يعكس استقلالية المؤلف الفكرية ومواقفه المبدئية.
• الدبلوماسي: يبرز دوره في الحوار الثقافي والديني، وفي تمثيل الفكر الإسلامي عالميًا.
خامسا: قراءات نقدية في تجارب رمزية:
أ. الشيخ محمد الغزالي – الداعية المثالي (ص 25)
تمثل تجربة الشيخ محمد الغزالي نموذجًا فريدًا للعالم المصلح الذي جمع بين عمق التكوين الشرعي وجرأة العقل النقدي. فقد انخرط الغزالي في قضايا عصره الفكرية والاجتماعية، وواجه الجمود والتقليد دون أن ينفصل عن المرجعية الإسلامية الأصيلة. تميز خطابه بالوعي المقاصدي، والدفاع عن جوهر الدين في مواجهة التشدد والانغلاق، مما جعله صوتًا إصلاحيًا مؤثرًا داخل الحقل الدعوي والفكري.
الخبرة المستفادة: تؤكد هذه التجربة أن الإصلاح الديني لا يتحقق إلا بالتكامل بين العقل النقدي والروح الدعوية، وبأن الداعية المعاصر مطالب بفهم الواقع كما يفهم النص، دون أن يضحي بأحدهما على حساب الآخر.
ب. الإمام الأكبر عبد الحليم محمود – التوازن بين التصوف والعلم (ص 95)
تجسد شخصية الإمام الأكبر عبد الحليم محمود تجربة روحية وعلمية نادرة، حيث نجح في إعادة الاعتبار للتصوف السني بوصفه مسارًا أخلاقيًا وتربويًا، لا انفصال فيه عن العلم الشرعي ولا عن قضايا المجتمع. وقد أسهم موقعه في مشيخة الأزهر في تحويل هذا التصور إلى مشروع مؤسسي، يعيد بناء الإنسان المسلم روحيًا وفكريًا في آن واحد.
الخبرة المستفادة: تبرز هذه التجربة أهمية التوازن بين العقل والروح، وتؤكد أن التصوف السني، حين يُفهم في إطاره الصحيح، يشكل قوة أخلاقية قادرة على تهذيب الفرد والمجتمع ومواجهة مظاهر العنف والتطرف.
ج. الشيخ محمد متولي الشعراوي – الخطاب الديني الجماهيري (ص 159)
تعد تجربة الشيخ الشعراوي نموذجًا استثنائيًا في التواصل الديني مع الجماهير، حيث استطاع تحويل التفسير القرآني إلى خطاب حيّ، قريب من الناس، يجمع بين البساطة والعمق. لم يكن تأثيره نابعًا من اللغة وحدها، بل من قدرته على ربط النص القرآني بتجارب الناس اليومية، مما جعل خطابه راسخًا في الوعي الشعبي.
الخبرة المستفادة: تؤكد هذه التجربة أن تبسيط الفكر الديني لا يعني تسطيحه، وأن نجاح الخطاب الدعوي مرهون بقدرته على مخاطبة العامة بلغة مفهومة دون التفريط في المعاني الكبرى.
د. تجربة مجمع اللغة العربية – اللغة والهوية (ص 251)
تمثل تجربة مجمع اللغة العربية بعدًا مؤسسيًا في الدفاع عن اللغة العربية بوصفها وعاء الهوية الحضارية والفكرية. فقد اضطلع المجمع بدور محوري في تعريب المصطلحات، وتقعيد الاستعمال العلمي للغة، ومواجهة تحديات العولمة والازدواج اللغوي. وتكشف هذه التجربة عن الوعي العميق بالعلاقة بين اللغة والثقافة، وبين اللغة والاستقلال الفكري.
الخبرة المستفادة: تبرز هذه التجربة أن حماية اللغة العربية وتطويرها شرط أساسي للحفاظ على الهوية الثقافية، وأن التجديد اللغوي الواعي يُعد ضرورة لمواكبة التحولات المعرفية والتكنولوجية المعاصرة.
جدول مقارن: النماذج الرمزية في الكتاب
الخبرة المستفادة الإيجابيات المجال الرئيس الشخصية/المؤسسة
الجمع بين العقل والروح الدعوية شجاعة الإصلاح الفكري والدعوي الدعوة والفكر الشيخ الغزالي
أثر التصوف السني في المجتمع التوازن الروحي والعلمي التصوف والعلم عبد الحليم محمود
التواصل مع العامة بعمق وبساطة تبسيط الفكر للجماهير الدعوة الشعبية الشيخ الشعراوي
تطوير اللغة مع الحفاظ على الأصالة الدفاع عن العربية اللغة والثقافة مجمع اللغة العربية
التقييم العام
• الأثر الفكري: تعزيز قيمة العقل النقدي.
• الأثر الأدبي: إثراء أدب السيرة الذاتية.
• الأثر الثقافي والاجتماعي: ربط الدين بالمجتمع واللغة بالهوية.
• الأثر الديني والعلمي: تقديم نموذج للعالم الموسوعي المجدد.
• الأثر التاريخي والسياسي والدبلوماسي: توثيق مرحلة مهمة من الفكر الإسلامي، وإبراز دور العلماء في الحوار الدولي.
وختاماً، فإن كتاب حياتي في حكاياتي ليس مجرد سيرة شخصية، بل هو نصّ أدبي وفكري يوثّق ذاكرة أمة، ويقدّم رؤية نقدية للتجربة الإسلامية الحديثة في أبعادها الفكرية والدينية والثقافية والسياسية. يمثل الكتاب إضافة نوعية إلى أدب السيرة الذاتية والنقد الثقافي، ويؤكد على دور العلماء والمفكرين في صياغة الوعي الجمعي، وفي بناء جسور بين الماضي والحاضر والمستقبل.
2) التوفيق بين العقل والنقل: قراءة نقدية في كتاب “مدخل إلى ابن رشد الحفيد” للدكتور حسن الشافعي
يهدف هذا الفصل إلى تقديم تحليل نقدي شامل لكتاب “مدخل إلى ابن رشد الحفيد” للدكتور حسن الشافعي، باعتباره عملاً تأسيسياً في الدراسات الرشدية المعاصرة. يحلل المقال المنهجية والهيكل والمحتوى المعرفي للكتاب، ويقيم أثره المتعدد الأبعاد في الحياة الفكرية والثقافية العربية والإسلامية. كما يتناول المقال إسهامات الكتاب في تصحيح الصورة النمطية عن ابن رشد، وتقديمه كمنظومة فكرية متكاملة تجمع بين العقل والنقل، والفلسفة والشريعة.
الكلمات المفتاحية: ابن رشد، حسن الشافعي، الفلسفة الإسلامية، التوفيق بين العقل والنقل، الدراسات الرشدية، التراث والتجديد.
أولا: مقدمة عامة: أهمية الكتاب وسياقه التاريخي
1.1 أهمية دراسة التراث الرشدي
يُعتبر ابن رشد (520-595هـ/1126-1198م) أحد أبرز الشخصيات الفكرية في الحضارة الإسلامية والعالمية. وقد شكّلت فلسفته ومنهجيته محوراً للحوار بين الشرق والغرب لقرون طويلة. ومع ذلك، ظلّت صورته في الوعي العربي الحديث مشوّشة بين تقديس ناقص وإهمال غير مبرر.
2.1. موقع كتاب الشافعي في الدراسات الرشدية
يأتي كتاب الدكتور حسن الشافعي “مدخل إلى ابن رشد الحفيد” في سياق محاولات جادة لإعادة قراءة التراث الإسلامي بعيون نقدية معاصرة. يتميّز الكتاب بكونه:
• عمل موسوعي يجمع بين السيرة والتحليل الفلسفي.
• دراسة منهجية تعتمد على النصوص الأصلية لابن رشد.
• محاولة لتقديم صورة متوازنة ترفض التبسيط والإسقاطات الأيديولوجية.
3.1. أهداف المقال
يهدف هذا المقال إلى:
1. تحليل منهجية الكتاب وهيكله المعرفي.
2. تقييم الإضافات النوعية التي قدمها في فهم شخصية وفكر ابن رشد.
3. قياس أثره في الحقول المعرفية المختلفة.
4. تحديد موقعه في سياق الدراسات العربية المعاصرة للتراث.
ثانيا: منهجية الكتاب وهيكله التحليلي
1.2.المنهج التكاملي: بين السيرة والتحليل الفلسفي
يمتاز الكتاب بمنهجية تجمع بين:
• التحليل التاريخي: لتحديد السياق الاجتماعي والسياسي للأندلس في عصر الموحدين.
• التحليل النصي: لقراءة مؤلفات ابن رشد في سياقها الأصلي.
• التحليل المقارن: لمقارنة فكر ابن رشد مع فلاسفة الإسلام الآخرين (الكندي، الفارابي، ابن سينا، الغزالي).
2.2. هيكل الكتاب المعرفي
يمكن تقسيم محتويات الكتاب إلى المحاور التالية:
الجدول (1): الهيكل المعرفي لكتاب “مدخل إلى ابن رشد الحفيد”
المحور الرئيسي المواضيع الفرعية الصفحات في الكتاب
السيرة الذاتية والعلمية النشأة، التكوين العلمي، المناصب، المحنة 3-4
الإنتاج الفقهي والأصولي “بداية المجتهد”، “مختصر المستصفى”، المنهج الفقهي 5-7
المشروع الفلسفي شرح أرسطو، نقد الفلاسفة المسلمين، نظرية العقل 9-13
قضية التوفيق “فصل المقال”، العلاقة بين الشريعة والحكمة 11-12
علم الكلام والنقد “مناهج الأدلة”، نقد المعتزلة والأشاعرة 16-18
الفلسفة السياسية تلخيص “جمهورية” أفلاطون، الفكر السياسي 35-36
التأثير التاريخي الأثر في العالمين الإسلامي والمسيحي 39
3.2. مصادر الكتاب ومراجعه
اعتمد الشافعي على:
• المصادر الأولية: جميع مؤلفات ابن رشد المتاحة.
• المصادر الثانوية العربية: من القدماء (ابن أبي أصيبعة، الذهبي) والمحدثين (محمود قاسم، محمد عابد الجابري).
• الدراسات الغربية: خاصة أعمال إرنست رينان، وأوليفر ليمان، وريتشارد فالزر.
ثالثا: المحاور الرئيسية في تحليل فكر ابن رشد
1.3. ابن رشد الموسوعي: تجاوز الثنائيات الضيقة
يؤكد الكتاب على سمة “التكامل المعرفي” لدى ابن رشد، الذي جمع بين:
• الفقه والحديث
• الفلسفة والمنطق
• الطب والعلوم الطبيعية
• اللغة والأدب
2.3. قضية التوفيق بين الشريعة والحكمة
هذا المحور يُعدّ قلب الكتاب، حيث يحلل الشافعي رؤية ابن رشد في:
• الأسس القرآنية للتوفيق: استدلال ابن رشد بآيات الأمر بالنظر والتفكر.
• التقسيم الاجتماعي للمعرفة: العامة والخاصة وأدوات الاستدلال المناسبة لكل فئة.
• نقد علم الكلام: انتقاد منهجية المتكلمين واتهامها بالإثارة أكثر من الإقناع.
الجدول (2): مستويات التوفيق بين الشريعة والحكمة عند ابن رشد
المستوى المضمون الأدوات المخاطبون
البرهاني الحقائق اليقينية القياس البرهاني الفلاسفة والحكماء
الجدلي المظنونات القياس الجدلي المتكلمون والعلماء
الخطابي التصديق والإقناع الأساليب البلاغية العامة
3.3. نقد الفلسفة المشائية الإسلامية
يكشف الكتاب عن موقف ابن رشد النقدي من:
• نظرية الفيض عند الفارابي وابن سينا.
• القول بالصدور ورفض مبدأ “الواحد لا يصدر عنه إلا واحد”.
• الخلط بين عالم الغيب وعالم الشهادة.
4.3. الجانب السياسي المجهول
من أهم إسهامات الكتاب الكشف عن:
• تلخيص ابن رشد لـ”جمهورية” أفلاطون.
• رؤيته لـ”العلم السياسي” وضرورته للمجتمع الإسلامي.
• مفهومه للفضيلة والعدالة في نظام الحكم.
رابعا: الإضافات النوعية والتصحيحات المعرفية
1.4. تصحيح الصورة النمطية عن ابن رشد
يقدم الكتاب تصحيحاً للعديد من المفاهيم الخاطئة:
الجدول (3): التصحيحات المعرفية التي قدمها الكتاب
الصورة النمطية التصحيح الذي يقدمه الكتاب الأدلة النصية
فيلسوف مادي ملحد فيلسوف مسلم ملتزم بالشريعة “فصل المقال”، “مناهج الأدلة”
مناهض للفقه والمذهب المالكي فقيه مالكي مجتهد “بداية المجتهد”، موقفه من الموحدين
رافض للمعجزات والغيبيات مؤمن بالمعجزات ضمن نظام الأسباب نقده للأشاعرة في “تهافت التهافت”
مفكر منعزل عن السياسة قاضٍ وفيلسوف سياسي مهتم بنظم الحكم تلخيص “الجمهورية”، علاقته بالأمراء
2.4. الكشف عن الجانب المجهول من فكر ابن رشد
• الفلسفة السياسية: من خلال تحليل تلخيص “جمهورية” أفلاطون.
• النقد الأدبي والبلاغي: في معالجته لأساليب الخطاب.
• المنهج العلمي التجريبي: في مؤلفاته الطبية والعلمية.
3.4. الربط بين التراث والمعاصرة
يمثل الكتاب نموذجاً للقراءة التجديدية التي:
• تفهم التراث في سياقه التاريخي.
• تستخرج منه إمكانيات للإجابة على أسئلة الحاضر.
• ترفض القطيعة مع الماضي دون رفض النقد والتجديد.
خامسا: تقييم أثر الكتاب في المجالات المعرفية المختلفة
1.5. الأثر في الحياة الفكرية والفلسفية
1. إعادة الاعتبار للعقلانية الإسلامية: أعاد الكتاب النقاش حول دور العقل في التراث الإسلامي.
2. توسيع دائرة الحوار الفلسفي: بين المذاهب الإسلامية المختلفة (أشاعرة، معتزلة، فلاسفة).
3. تقديم نموذج للتراث النقدي: الذي يجمع بين الأصالة والاجتهاد.
2.5. الأثر في الدراسات الدينية وعلم الكلام
1. تجديد النقاش حول التأويل: وحدوده وضوابطه.
2. إعادة قراءة تاريخ الفرق الكلامية: بمنظور نقدي متوازن.
3. فتح آفاق للتفكير العقلي في المسائل الدينية: دون الانزياح عن الأصول.
3.5. الأثر في الحقل الاجتماعي والسياسي
1. نموذج للعالم الملتزم بقضايا مجتمعه: ابن رشد كقاضٍ وفيلسوف ومصلح.
2. رؤية للعلاقة بين السلطة والعلم: تحليل محنته وأسبابها السياسية.
3. إسهام في فلسفة التربية والتعليم: من خلال تقسيمه لمراتب المعرفة.
4.5. الأثر في الحوار بين الحضارات
1. ابن رشد كجسر حضاري: بين الإسلام والمسيحية في العصور الوسطى.
2. نموذج للاستقبال النقدي للتراث الأجنبي: تعامله مع فلسفة أرسطو.
3. إسهام في تصحيح الصور المتبادلة: بين العالمين الإسلامي والغربي.
سادسا: نقد وتقييم: حدود الكتاب وإسهاماته
1.6. الإنجازات الرئيسية للكتاب
1. التكامل المنهجي: جمع بين السيرة والتحليل الفلسفي.
2. الاعتماد على المصادر الأصلية: قراءة مباشرة لنصوص ابن رشد.
3. التوازن في الحكم: تجنب الإفراط في التمجيد أو النقد.
4. الكشف عن الجوانب المجهولة: خاصة الفلسفة السياسية.
2.6. حدود الكتاب وإشكالياته
1. التركيز على الجانب الفكري على حساب السياق الاجتماعي: يحتاج إلى مزيد من التحليل الاجتماعي للأندلس في عصر الموحدين.
2. عدم معالجة كافية لتأثير ابن رشد في الفكر اليهودي: رغم أهميته التاريخية.
3. قلة المقارنة مع الفلاسفة الغربيين: الذين تأثروا بابن رشد (مثل توما الأكويني).
3.6. آفاق للبحث المستقبلي
1. دراسة تأثير ابن رشد في الفكر اليهودي الوسيط.
2. تحليل تلخيص “الجمهورية” في سياق الفكر السياسي الإسلامي المقارن.
3. دراسة استقبال فكر ابن رشد في العالم الإسلامي المعاصر.
سابعا: الخاتمة والاستنتاجات
1.7. الاستنتاجات الرئيسية
1. يُعتبر كتاب “مدخل إلى ابن رشد الحفيد” عملاً تأسيسياً في الدراسات الرشدية المعاصرة، يجمع بين الدقة الأكاديمية والعمق التحليلي.
2. نجح الكتاب في تقديم صورة متكاملة لابن رشد، ترفض التبسيط والتشويه، وتقدمه كمنظومة فكرية تجمع بين العقل والنقل.
3. أسهم الكتاب في تصحيح العديد من المفاهيم الخاطئة عن ابن رشد، خاصة فيما يتعلق بموقفه من الدين والشريعة.
4. كشف الكتاب عن جوانب مجهولة من فكر ابن رشد، خاصة فلسفته السياسية ومنهجه في التوفيق بين الحكمة والشريعة.
2.7. أهمية الكتاب في السياق الفكري المعاصر
في ظل الأزمات الفكرية والهوياتية التي يعيشها العالم العربي والإسلامي، يقدم كتاب الشافعي نموذجاً لـ:
• قراءة تراثية تجديدية: ترفض القطيعة مع الماضي دون رفض النقد والتجديد.
• حوار عقلاني بين الأصالة والمعاصرة: كيف يمكن للتراث أن يكون مصدر إلهام لا عائقاً.
• انفتاح على الآخر: مع الحفاظ على الهوية والخصوصية.
3.7. توصيات
1. اعتماد الكتاب كمرجع أساسي في مقررات الفلسفة الإسلامية والتراث العربي.
2. تشجيع ترجمة الكتاب إلى اللغات الأجنبية لنشر الصورة الصحيحة عن ابن رشد والفلسفة الإسلامية.
3. الاستفادة من منهجية الكتاب في قراءة شخصيات تراثية أخرى.
يُظهر الاستنتاج القراءة التحليلية لكتابين، هما “حياتي في حكاياتي” و”مدخل إلى ابن رشد الحفيد”، أن الأستاذ الدكتور حسن الشافعي لم يكن مجرد باحث أكاديمي أو مؤرخ للأفكار، بل صاحب مشروع معرفي متكامل، يتأسس على وعي عميق بالتراث،
وإيمان راسخ بدور العقل، والتزام أخلاقي وعلمي بقضايا الأمة والإنسان. فقد كشفت السيرة الفكرية عن عالم حاضر في زمنه، منخرط في قضايا الثقافة والدعوة واللغة، بينما كشف التحليل الرشدي عن مفكر يمتلك أدوات المنهج، وقادر على إعادة بناء المفاهيم بعيدًا عن التبسيط أو الإسقاط الأيديولوجي.
وتؤكد هذه الدراسة أن التوفيق بين العقل والنقل عند الشافعي ليس شعارًا نظريًا، بل ممارسة علمية متجذرة، تتجلى في اختياراته المعرفية، وفي دفاعه عن العقلانية الإسلامية، وفي قراءته المتوازنة للتصوف، والفقه، والفلسفة، واللغة. كما يتضح أن أثره الحضاري يتجاوز حدود التأليف، ليشمل التكوين العلمي، والعمل المؤسسي، والحوار الحضاري، والمساهمة في صيانة الهوية الثقافية العربية الإسلامية.
وختامًا، يمكن القول إن تجربة الدكتور حسن الشافعي تمثل نموذجًا نادرًا في الفكر العربي المعاصر، يجمع بين عبقرية التكوين العلمي وصمود اليقين المعرفي، ويقدّم مثالًا للعالم الذي استطاع أن يكون وفيًا لتراثه، منفتحًا على عصره، ومسهمًا في بناء فكر إسلامي معاصر يقوم على العقل، والاعتدال، والحوار. وهي تجربة جديرة بمزيد من الدراسة، والتأمل، والاستثمار العلمي في سياق البحث الأكاديمي والحضاري الراهن.
الفصل التاسع: تحيّة علمية من كوسوفا: قصيدة إهداء في تكريم الأستاذ الدكتور حسن الشافعي
يأتي هذا الفصل في سياق توثيق أواصر التواصل العلمي والثقافي بين كوسوفا والعالم العربي الإسلامي، وتجسيدًا لروح الوفاء المعرفي التي ميّزت العلاقة الأكاديمية الممتدة بين البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي والأستاذ الدكتور حسن الشافعي منذ تسعينيات القرن الماضي. ويقدّم هذا الفصل قصيدة إهداء رمزية، تعبّر عن التقدير العلمي والاحترام المتبادل لإسهامات الأستاذ الدكتور حسن الشافعي في خدمة الفكر الإسلامي، واللغة العربية، وقضايا الحوار الثقافي، ولا سيما مواقفه العلمية الداعمة لشعب كوسوفا، في إطار أدبي يزاوج بين التكريم والبعد الحضاري.
قصيدة: من كوسوفا إلى شيخ العقل والبيان
إلى الأستاذ الدكتور حسن الشافعي
هدية تقدير ومحبة من كوسوفا
(من البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي)
يا شيخَ فكرٍ باليقينِ تألّقا
وسرى البيانُ على يديكَ مُحقِّقا
جمعتَ بين تراثِنا وضروراتِه
فغدوتَ ميزانَ العقولِ المُوفَّقا
العلمُ عندكَ رسالةٌ أخلاقُها
والعقلُ إن صَفَا رأى الحقَّ مُشرِقا
حملتَ لُغتنا فصانتْك كما
صُنتَ الحروفَ فأثمرتْ وتأنَّقا
في مجمعِ الضادِ استعادَ بيانُها
مجدًا، وعادَ لوجهِها متألِّقا
من كوسوفا، من قلوبٍ صادقاتٍ
نهديكَ شكرًا صادقًا وتحيُّقا
هذا وفاءُ العلمِ للعِلْمِ الذي
بكَ قد تسمّى، واستقامَ وأشرقا
تحليل أدبي موجز
تندرج هذه القصيدة ضمن الشعر التكريمي المعاصر الذي يستلهم البنية الكلاسيكية ويُعيد توظيفها بلغة رصينة هادئة، خالية من الإحالات السياسية أو السيرية الحسّاسة.
ويرتكز النص على ثلاث دعامات جمالية وفكرية:
1. العلم بوصفه رسالة أخلاقية
حيث يُقدَّم الدكتور حسن الشافعي نموذجًا للعالِم الذي لا يفصل المعرفة عن القيم، في انسجامٍ واضح مع مسيرته العلمية والمؤسسية.
2. التكامل بين الأصالة والمعاصرة
تُبرز القصيدة قدرته على الجمع بين التراث ومتطلبات العصر، في صورة “ميزان العقول”، وهي صورة رمزية تعكس الاعتدال المنهجي.
3. اللغة العربية والهوية الحضارية
يتجلى هذا المحور في الإشارة إلى مجمع اللغة العربية، بوصفه فضاءً لحماية اللغة وتجديدها، لا مجرد مؤسسة علمية.
من الناحية الفنية، يعتمد النص على:
• صور بيانية هادئة غير صدامية،
• إيقاع متزن يناسب الإلقاء والكتابة،
• خطاب تكريمي مباشر يراعي مقام المُهدى إليه.
الخلاصة:
تنجح القصيدة في أن تكون هدية ثقافية راقية من كوسوفا، تعبّر عن التقدير العلمي والإنساني للأستاذ الدكتور حسن الشافعي، دون الخوض في تفاصيل شخصية أو تاريخية، مما يجعلها صالحة للنشر، والإهداء الرسمي، أو الإدراج في عمل توثيقي.
خاتمة
تكشف هذه الدراسة، في مجمل فصولها وتحليلاتها، أن الأستاذ الدكتور حسن الشافعي يمثل أحد النماذج النادرة في الفكر الإسلامي المعاصر، حيث تَحقّق فيه توازنٌ دقيق بين التكوين العلمي الصارم، والانفتاح المنهجي الواعي، والالتزام الأخلاقي المسؤول.
فلم يكن مشروعه العلمي استجابة ظرفية لسياقات فكرية عابرة، بل مسارًا طويل النفس، تشكّل عبر تراكم معرفي، وتجربة إنسانية عميقة، ووعيٍ حادّ بتحديات العصر وأسئلته الكبرى.
لقد أظهرت الدراسة أن عبقرية التكوين عند الشافعي تجلّت في قدرته على الجمع بين مدارس معرفية مختلفة دون تلفيق، وعلى استيعاب التراث دون تقديس جامد، وممارسة النقد دون قطيعة أو عداء. أما صمود اليقين، فقد اتخذ صورة عملية في مواقفه العلمية والمؤسسية، وفي دفاعه عن العقلانية الإسلامية، وعن التصوف السني المنضبط، وعن اللغة العربية بوصفها ركيزة الهوية الحضارية، لا مجرد أداة تواصل.
كما بيّنت القراءة التحليلية لكتابيه “حياتي في حكاياتي” و”مدخل إلى ابن رشد الحفيد” أن وحدة المشروع الفكري عند الشافعي تتجلى في الربط العضوي بين السيرة والمنهج، وبين التجربة الذاتية والأسئلة الكلية للفكر الإسلامي. فالسيرة لديه ليست اعترافًا شخصيًا، بل شهادة معرفية على زمنٍ وتحولاته، والفلسفة ليست ترفًا ذهنيًا، بل أداة لفهم الدين والإنسان والمجتمع في إطار من التوازن والاعتدال.
وتؤكد هذه الدراسة، في محصلتها النهائية، أن أثر الدكتور حسن الشافعي يتجاوز حدود الجغرافيا والمؤسسات، ليشكّل جزءًا من الذاكرة الفكرية المشتركة للعالم الإسلامي، وأن تكريمه العلمي والأدبي – كما تجسده القصيدة المرفقة – ليس احتفاءً بشخصٍ بقدر ما هو احتفاء بقيم العلم، والعقل، والأخلاق، والوفاء للرسالة.
وختامًا، يمكن القول إن تجربة الدكتور حسن الشافعي تقدم نموذجًا يُحتذى به في زمن الحاجة إلى علماء يجمعون بين الرسوخ المعرفي، والاستقلال الأخلاقي، والقدرة على الحوار، ويؤكدون أن الفكر الإسلامي قادر، متى توفرت له شروطه، على أن يكون فاعلًا في بناء الحاضر، ومساهمًا في صياغة المستقبل.
—————————-
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]