غير مصنف

جمهورية امرأة واحدة.. شعر: محمد نور الدين محمد

جمهورية امرأة واحدة

في هذه الجمهوريَّة لا يوجدُ دستور،
ولا قضاءٌ،
ولا قانونٌ إلا ما يخطُّه قلبُهَا
الشارعُ يسيرُ كما تُريد،
والسماءُ تتغيَّر كما تهوى،
والنوافذُ لا تفتحُ إلا لمَنْ يعرفُ كيفَ يقرَأ عَيْنَيْهَا
هيَ امرأةٌ، لكنَّها ليسَتْ اِمرأةً عابرة،
ليسَتْ قادرةً على أنْ تختزلَ في صورٍة أو لقب،
هي كلُّ المدن،
كلُّ الأنهار،
كلُّ الصراعاتِ القديمة والمستقبليَّة،
هي حالةٌ سياسيَّةٌ قبلَ أنْ تكونَ جسداً
في جمهوريَّتها لا يولدُ أحدٌ إلا بموافقتِهَا،
ولا يموتُ إلا بقرارِها،
كلُّ شيءٍ فيها ملكُهَا،
وكلُّ شيءٍ فيها يمنحُ للحياةِ بلا مقابل
حتَّى الرِّيح تخضعُ لأوامرِهَا،
تهبُّ متردِّدةً
كما لو كانَتْ تخافُ أنْ تزعجَ تفاصيلَ شعرِها
أنت البرلمانُ، والقانون، والمحكمةُ، والرصيفُ، والسماءُ، والبحرُ،
أنت الرئيسُ، والمواطنُ، والقائدُ الأعلى للقلبِ،
الجيشُ الوحيدُ في جمهوريَّتِك هو الحزنُ الذي يلاحقُك،
والحبُّ الذي يفرُّ منك بلا إذن
كلّ قرارٍ فيها ينتهي في اِبتسامتِك،
كلُّ ثورةٍ تنكسرُ على شفتَيْك،
كلُّ حربٍ تصبحُ عناقاً،
كلُّ صرخةٍ تتبدَّلُ إلى همسٍ،
وكلُّ دمعةٍ تصبحُ قانوناً يُلْزِمُ الجميعَ بالاحترام
في جمهوريَّتِك لا أحد يحقُّ له أن يعارضَ،
ولا أحد يجرؤ على السُّؤال،
لأنَّ السؤالَ الحقيقيَّ
هو أنْ تعرفَ أنَّ وجودَك
أكبرُ من كلِّ الديمقراطيَّات،
أكبرُ من كلِّ الأنظمة،
أكبرُ من كلِّ القوانين التي حاولَ البشرُ أنْ يضعوَها لقياسِهم
أنتِ مدينةٌ كاملة،
تحتضنينَ الشوارعَ، والحدائقَ، والآبارَ،
تزرعينَ أشجارَ الحبِّ في كلِّ رصيف،
تسقينهَا بالدموعِ،
تزينينها بالضحكاتِ،
وتتركينَ الأبوابَ مفتوحةً لكلِّ قلبٍ يتعلَّمُ الطيرانَ بلا خوف.
في جمهوريَّتك
لا شيءَ يمكنُ أنْ يُباعَ،
ولا يمكنُ أنْ يُشترى،
الحبُّ ليسَ سلعةً،
والحزنُ ليسَ حقاً،
والشغفُ ليسَ جريمةً
كلُّ شيءٍ فيها يُعلِنُ حريَّته،
قبلَ أنْ يعرفَ معنى الحُرِّيَّة،
قبلَ أنْ يسمعَ كلمةَ قانون
وأنا، المواطنُ الوحيدُ في جمهوريَّتِك،
أجوبُ شوارعَك بلا خريطة،
أغرقُ في أنهارَك بلا زورق،
أقاتلُ كلَّ شيءٍ بداخلي بلا سلاح،
وأتعلَّمُ كيفَ أحبُّ بلا شروط،
وأتعلّم كيفَ أخافُ بلا سبب،
وأتعلَّمُ كيفَ أكونُ صغيراً أمامَ عظمةِ وجودِك
أنتِ الجمهوريةُ الوحيدةُ،
المرأةُ الوحيدةُ التي تستطيعُ أنْ تحكمَ الكونَ
ولا تحتاج إلى تاجٍ، ولا إلى سيفٍ،
ولا إلى منصبٍ،
كلّ شيءٍ يذعنُ لوجودك
كما تذعنُ الشمسُ للشفقِ،
كما تذعنُ الأرضُ للمطرِ،
كما تذعنُ الحياةُ للموتِ
في جمهوريَّتِك، أحياناً أنامُ على أرصفةِ ضحكتِك،
وأحياناً أصحو على صراخِ قلبِك،
أحياناً أمشي وحيداً بين شوارعِك،
وأحياناً أختبِئُ في زوايا صمتِك،
لكنَّك دائماً هناك،
أكبر من المكان،
أوسع من الزمن،
وأقوى من كلِّ شيء سبق أنْ عرفته البشريَّة
في جمهوريَّتك، لا نحتاج إلى حروبٍ،
ولا إلى أسلحةٍ،
ولا إلى رموزٍ،
كلُّ شيءٍ يتحقَّق بعَيْنَيْك،
كلُّ شيءٍ يقرِّرُه قلبُك،
كلُّ شيءٍ يولدُ من ضحكتِك
ويختفي مع دمعةٍ لم تُسجَّلْ على الورق
أنت القانونُ،
وأنت الجرائمُ الجميلةُ،
وأنت العقابُ، وأنت الرحمةُ،
وأنت كلُّ شيءٍ بين الحبِّ والحربِ،
ولا أحد يجرؤ أن يضيفَ شيئاً،
ولا أحد يجرؤ أن يسرقَ شيئاً،
لأنَّ كلَّ شيءٍ ملكُك،
حتَّى أنفاس الذين يحلمون بالوجودِ معك
أحبُّ جمهوريَّتَك بلا حدود،
أحبُّ صمتَك بلا سبب،
أحبُّ غضبَك بلا تردُّد،
أحبّك،
ليس كحبِّ أيّ اِمرأة،
بل كحبِّ دولةٍ كاملة
تفرضُ قوانينَها على قلبي،
تزرعُ فيها الحُرِّيَّة
وتقتلُ فيها كلّ وهم
وأنا… المواطنُ الوحيد،
أقفُ أمامَك كلَّ صباح،
أتعلَّم كيفَ أصبحُ إنساناً جديداً
في ظلِّ وجودِك،
وأتعلَّم أنْ أحبَّ بلا خوف،
وأتعلَّم أن أكون صغيرا أمام كل ما أنت فيه،
وأتعلَّمُ أنَّ الجمهوريَّةَ الحقيقيَّةَ
ليسَتْ على الورق،
ولا في الدساتير،
بل في قلبِ اِمرأةٍ واحدةٍ فقط،
قادرة على أن تحكمَ كلَّ شيء
ببسمةٍ،
بنظرةٍ،
وبحضورٍ لا ينسى

الأديب: محمد نور الدين محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى