رؤي ومقالات

ترامب ،حين تعود فلسفة القوه بثوب ديمقراطي…بقلم م. نهاد المصري

مع قهوة الصباح، يبدو ترامب كأنه لا يقرأ التاريخ، بل يستدعيه. لا بوصفه درس، بل كاداه. فهو لا يخفي ايمانه بان القوه تصنع الاحترام، وان الدول لا تقاد بالقيم بل بالضغط، ولا تخضع بالاقناع بل بالتهديد.
ترامب لا يريد ان يكون رئيس عابر في سجل الرؤساء، بل اسم صاخب في كتاب الامبراطوريات. لهذا يعامل الحلفاء كتوابع، والخصوم كغنائم، والمؤسسات كعوائق. في منطق تفكيره، الدول تدار كما تدار الشركات: من لا يربح يستبعد، ومن يعترض يعاقب.
سياساته ليست ارتجال، بل تعبير صريح عن عقلية الهيمنه الامريكيه حين تتعرى من الخطاب الاخلاقي. العقوبات، الابتزاز الاقتصادي، التهديد العسكري، كسر التحالفات، والاستخفاف بالقانون الدولي، كلها ادوات قوه ناعمه تحولت في عهده الى قوه خشنه .
وكما فعل نبوخذ نصر حين ظن ان الاسوار تحمي العرش، بنى ترامب اسوار سياسيه واقتصاديه ظنا انها تحمي الهيبه. لكنه نسي ان العزله لا تصنع قياده، وان الخوف لا يخلق ولاء. فالدول التي ترغم اليوم، تعارض غد، وتناور بعد غد.
ترامب يشبه جنكيز خان في منطق الردع، لا في الادوات. فبدلا من النار، يستخدم الدولار. وبدلا من الجيوش، يستخدم الاسواق. لكن النتيجه واحده: عالم مرتبك، حلفاء قلقون، وخصوم اكثر تصميم على كسر الهيمنه.
اما هنيبعل، فيحضر كتحذير صامت. فقد هزم روما مرارا، لكنه لم يحسن أدارة النصر. وترامب قد يهز النظام الدولي، وقد يربك خصومه، لكنه لا يقدم بديل مستقر. يهدم اكثر مما يبني، ويترك فراغ سرعان ما تملؤه قوى اخرى.
سياسيا، ترامب لا يبني امبراطوريه، بل يختبر حدود القوه. يسال العالم: الى اي مدى يمكن لامريكا ان تفرض ارادتها بلا توافق؟ والتاريخ، كعادته، سيجيب متاخر لكن بحزم: القوه التي لا تسندها شرعيه، تنقلب عبئ على صاحبها.
مع اخر رشفة قهوه، نفهم ان ترامب لا يسعى لادارة العالم، بل لسلطانه. والفرق بينهما هو الفرق بين قائد دوله ورجل يريد ان يخلده التاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى