
التنف : انسحاب أم تموضع
ميخائيل عوض / لبنان
إعلان القيادة المركزية الأميركية اكتمال الانسحاب من قاعدة التنف مع الاحتفاظ بخيار الضربات الجوية من خارج سوريا، بالتزامن مع زيارة سريعة ومربكة لبنيامين نتنياهو إلى واشنطن، وتصريحات دونالد ترامب التي شدّد فيها على أن “القرار النهائي عندي”. بين هذين الحدثين، قراءة تتجاوز الخبر إلى هندسة التحوّل الاستراتيجي المحتمل في الإقليم.
*أولاً: ماذا يعني الانسحاب من التنف؟*
هذا الحدث في إطار أربعة احتمالات متوازية، لا يُحسم بينها باكراً:
1) *مؤشر انسحابٍ أوسع من الشرق الأوسط*
يربطه بإعادة تعريف الأولويات الأميركية منذ الولاية الأولى لترامب: تخفيف الأعباء المباشرة، تقليص الانتشار البرّي، والانتقال إلى “الذراع الطويلة” (الضربات عن بعد). التنف، رغم رمزيتها الجيوسياسية (قطع الممرّ البرّي بين طهران–بغداد–دمشق–بيروت)، قد تكون حلقة في سلسلة إعادة تموضع أوسع.
2) *إعادة تجميع وتموضع نحو قواعد “حصينة”*
طرح عسكري عملي: تجميع القوات في نقاط أكثر أماناً (يُشار إلى الأردن كمحور محتمل)، مع بنى دفاعية أفضل، وتقليل قابلية الاستهداف بالطائرات المسيّرة والصواريخ. هنا لا يكون الانسحاب تراجعاً بل اقتصاداً في المخاطر.
3) *تمهيد لضربات كبرى عن بُعد*
الاحتفاظ بخيار الضربات الجوية من خارج سوريا يُبقي وظيفة القاعدة قائمة من دون كلفة الوجود البرّي. في هذا السيناريو، قد يكون “التحصين أولاً” مقدّمة لعمليات واسعة (ضد إيران مثلاً) من دون انخراط احتلالي مباشر.
4) *ثقةٌ بإدارة محلية تؤمّن المصالح*
الاحتمال أن واشنطن باتت مطمئنة بأن السلطة الانتقالية في دمشق تعمل كل ما يمكنه أن يحفظ المصالح الأمريكية ، في ظل إدارة أمنية–إقليمية متشابكة. هنا تصبح الكلفة الأميركية أقل، والضبط بالوكالة أعلى.
وبناء على ما سبق فالانسحاب ليس قيمةً بذاته؛ قيمته في السياق. هل هو بداية خروجٍ استراتيجي؟ أم انتقالٌ إلى نمط حربٍ أنظف وأبعد؟ أم تحصينٌ قبل عاصفة؟
*ثانياً: نتنياهو في واشنطن… من يقود من؟*
عند “الشكل” قبل “المضمون”: زيارة قصيرة، اهتمام إعلامي محدود، تأكيد ترامب على أنه صاحب القرار، وتفضيل التفاوض مع إيران مع إبقاء “خيارات على الطاولة”. في المقابل، رفع نتنياهو سقف الشروط (النووي + الصواريخ الباليستية + “المحور المقاوم”) مع إبداء تشكيك بإمكان الاتفاق.
*ماذا يكشف ذلك؟*
اشتباك مصالح لا قطيعة تحالف: ليست نهاية العلاقة، بل إعادة وزن داخلها.
– قلق إسرائيلي من صفقة لا تُرضيها: رفع السقف قد يكون محاولة استباق اتفاقٍ لا يلبي أولويات تل أبيب.
– تحوّل في مركز الثقل: إذا كان ترامب يفضّل الصفقة، فهو يريد شروطها وفق حساباته الأوسع (الاقتصاد، الصين، أوروبا)، لا وفق الإملاء الإسرائيلي.
إسرائيل “منصّة تنفيذ” لا “مركز قرار”. هذا توصيف صادم، لكنه ينسجم مع قراءته لصراع داخلي أميركي أوسع حول اتجاه الدولة العميقة، والعولمة، وأولويات الأمن القومي.
*ثالثاً: “الانسحاب مع التطبيش”– سيناريو التفكيك المنضبط*
واشنطن قد تنسحب برّياً لكنها تترك الإقليم في حالة فوضى مُدارة
ضربات عن بعد تكسر خطوط إنتاج الطاقة وتعيد تسعير المخاطر.
مما يعني إبطاء صعود خصوم (روسيا/الصين) عبر إنهاك محيطهم الحيوي. وكسب وقت لإعادة هيكلة الداخل الأميركي.
في هذا المنطق، لا احتلال مكلفاً، بل تفجير تناقضات، و“تطبيش” يرفع الكلفة على الجميع فيما تُحافظ واشنطن على قدرتها على التدخل الانتقائي.
*رابعاً: عقدة إيران… بين الصفقة والضربة*
وهنا الاحتمالين مفتوحين:
– اتفاق مشروط يجمّد ملفات ويعيد توزيع أوراق.
– ضربة موجِعة تعيد تشكيل ميزان الردع وتستثمر في اضطراب الطاقة.
التصريحات المتقابلة (تفضيل الاتفاق مع إبقاء الخيارات) تعني أن واشنطن تفاوض من موقع قدرة على التصعيد. أما إسرائيل، فتخشى صفقة لا تمسّ الصواريخ وامتدادات النفوذ الإقليمي.
*خامساً: الأردن كمحور تموضع*
الإشارة إلى نقل مركز ثقل قيادي/لوجستي نحو الأردن تعني أمرين محتملين:
– حماية أفضل للبنية الأميركية في حال تصعيد.
– إدارة أكثر فاعلية لمسرحٍ يمتد من العراق إلى فلسطين.
إن صحّ ذلك، فنحن أمام إعادة رسم هندسة الانتشار، لا مجرد إخلاء قاعدة.
التنف ليست حدثاً تكتيكياً؛ هي اختبار لاتجاه الاستراتيجية الأميركية: خروجٌ مُنظّم؟ تموضعٌ حصين؟ أم تحصينٌ قبل تصعيد؟
لقاء واشنطن أظهر تبايناً في الإيقاع بين ترامب ونتنياهو: الأول يمسك بخياراته، الثاني يرفع سقفه.
المنطقة تدخل مرحلة “إدارة المخاطر عن بُعد”: ضربات دقيقة، تموضع أقل كلفة، ومساومات كبرى على النووي والطاقة.
الأسابيع المقبلة ستكشف أيّ الاحتمالات يتقدّم. لكن ما بات واضحاً من الحلقة: نحن أمام انتقال من منطق القواعد الثابتة إلى منطق المرونة القتالية–السياسية، حيث الانسحاب قد يكون شكلاً آخر من أشكال السيطرة.
🖋 ميخائيل عوض