
حين تمسكينَ كتابَك
تتغيَّر ملامحُ العالمِ
يُصبحُ للكلماتِ جسدٌ
وللحبرِ عطرٌ أنثويٌّ يشبهُك
كلما انحنَتْ عيناك على السطور
شعرتُ أنَّني رجلٌ ثانٍ
ينافسُني الغلافُ على حبُّك
وتزاحمُني الفواصلُ على قلبِك
هلْ تعلمين؟
أنَّني أغارُ من الكتابِ الذي تسهرينَ معه؟
مِنَ الصفحةِ التي تضحكُك
ومِنَ الاقتباسِ الذي تضعينه في جيبِك
كأنَّه قبلةٌ خبَّأتها منِّي؟
أنت لا تقرَئِين
بل تتورَّطين في خيانةٍ مشروعة
تُمارسينَ الحبَّ مع فكرة
وتنجبينَ مِن بين السُّطور
وعياً لا يشبهُ زمنَنَا
يا امرأةً..!
ليسَتِ الكتبُ مجرَّدَ أوراق عندك
بل رجالٌ حكماء
وعشَّاقٌ نُبلاء
وأحياناً
مرايا تقولُ لك مَنْ تكونين
حينَ أنسى أنا أنْ أقولَ
حين أحببتك
اكتشفْتُ أنَّ القراءةَ فعلٌ عاطفيّ
وأنَّ الغلافَ بينَ يَدَيْك
يصبحُ صدراً
تتَّكِئينَ عليه كلَّ مساء
وتنسينَ
أنَّني
لن أكتبَ لك
مَا لَمْ أكنْ
كتابك المُفضَّل.
أنتِ لا تقرئينَ يا صغيرتي !
أنتِ تُمارسينَ طقوسَاً لا يجيدُهَا غيرُك
تدخُلينَ الكتبَ كما يدخلُ العاشقُ معبدَه
بخشوعِ القلبِ
وبفستانٍ من الأسئلةِ
كلّ كتابٍ بينَ يَدَيْك
يشعرُ أنَّه أُعيدَتْ كتابتُه من أجلِك..
أنَّ الجملَ تزيَّنَتْ
والأفكارَ تعطَّرَتْ
وأنَّ كلَّ مؤلف
كانَ يحلمُ بامرأةٍ مثلِكِ تمرُّ على حرفِه
كما تمرُّ الرِّيحُ الخجولةُ على أوراق الربيعِ
أنت لا تقرئين
بلْ تتمايلينَ فوقَ الكلماتِ
كما تتمايلُ سنبلةٌ في حضرةِ الضوءِ
تُعيدينَ تعريفَ العلاقةِ بينَ الأنثى والحبر
تغارينَ من القافيةِ أحياناً
وتتحدِّينَ السطرَ أحيانا
وتدخلينَ بينَ سطور الفلسفةِ
كمَنْ يدخلُ الغابةَ دونَ أنْ يضيعَ
أنا أغارُ
مِنَ الكتابِ الذي تضعينه قربَ وسادتِك
من الصفحةِ التي طويتها عندَ منتصف الليل
من المعلومةِ التي أدهشتك
ومن الشَّاعرِ الذي سكنَ ذاكرتَكِ
كلُّ كتابٍ تفتحينه
كأنُّهُ رجلٌ جالسٌ أمامَكِ
يرتجفُ من وهجِ عيْنَيْكِ
ويتلعثمُ كلما نطقت اسم مُؤلّفه
أنتِ حينَ تقرئين
تصبحين مكتبةً
يتجوَّلُ فيها العقلُ والعطرُ
وتغدو القراءةُ
أكثر جنوناً من القبلةِ
ولأنِّي أحبُّك
أفكِّر أن أكتبَ كتاباً لا ينتهي
تقرئينه عمراً
ولا تملّين
تبحثينَ في فصولِه عنِّي
وفي هوامشِه عن أسراري
وفي النهايةِ
تكتشفينَ أنَّني أنا الصفحةُ الأولى
والأخيرة
ولأنَّك لسْتِ امرأةً عاديَّة
ولا قارئة تمرُّ على المعارف مرورَ العابرين
فأنتِ حين تمسكينَ كتاباً
تُخيفينَ التاريخَ
وتوقظينَ الحضاراتِ النائمةَ في الجُمَلِ
لا تكتفينَ بأنْ تفهمي
بل تعيدينَ تشكيلَ الفكرةِ
تفتحينَ باباً خلفَ كلّ سطر
وتسألينَ:
لماذا؟
وكيف؟
ولماذا لا يكونُ العكس؟
أنتِ لا تقرئينَ لتتثقَّفي فقط
بل لتخرقي الثوابتَ
تهدمي المفاهيمَ المُعلّبة
وتحرقي بذكائِك
أقمشةَ الجهلِ الفاخر
الكتبُ في يَدَيْكِ تصبحُ ثورةً
والأفكارُ تتحوَّلُ إلى أسلحةٍ
تفضحينَ العقولَ الكسولةَ
وتعطينَ المعنى جسَدَاً
والجسدَ فكرةً
كلَّمَاْ قَرَأْتِ كتاباً
تُشْعِلينَ في رأسي ثورةً
وتجعلينني أرتبكُ أمامَك
كأنَّني أمامَ أنثى
تكتبني من جديد
بلا رحمة
ولا تحفُّظ
أنتِ امرأةٌ تقرأ
وكأنَّها تنتقمُ
من قرونٍ من الصمت
ومن آلافِ السنين
التي قيلَ لها فيها:
كوني جميلةً واصمتي
أمَّا الآن
فأنتِ تقرَئِيْنَ
وتتكلمينَ
وتثورينَ
وتسقطينَ كلَّ رجلٍ
ظنَّ أنَّ القراءةَ لا تليقُ بالنساء
أنتِ لا تقرئين كما يقرَأ الآخرون
أنتِ تنامينَ بينَ صفحاتِ الأفكارِ
وتستيقظينَ على لهاثِ الفلسفة
كلّ كتابٍ تفتحِيْنَهُ
تدخلينه كما تدخلُ العاشقةُ غرفةَ حبيبِهَا
تخلعينَ عن الفكرةِ قشورَها
وتسألينها مَنْ تكون
تسرقينَ من الروايةِ وجعَها
ومن القصيدةِ جنونها
ومن الكاتبِ نواياه الخفيَّة
وتكتبينَ هوامشَك
على هامشِ التاريخِ
أنتِ امرأةٌ
لكنَّكِ تكتبينَ العالمَ من جديد
تحاورينَ دوستويفسكي كأنَّك كنْتِ في جنازتِه
وتعاتبينَ نوري لأنَّه لم يمدحِ النساءَ بما يكفي
تقرئينَ ليسَ لأنَّكِ تحتاجينَ علماً
بل لأنَّ المعرفةَ فيكِ جوع
ولأنَّك امرأةٌ تشتهي أن تلدَ مفهوماً لا رجلاً
أنتِ الخطر الجميل
حين تلتقي الفكرةُ بجسدِ أنثى لا تخافُ
وتغدو المعرفةُ
أكثرَ فتنةً
من الكحلِ
ومن الرداءِ الأحمر
ومن كلِّ أسلحةِ الإغواء
فأيّ رجلٍ
يمكنُه أن يصمدَ
أمامَ أنثى
تقرأه هوَ أيضاً
كما تقرَأ كتابَهَا المُفضَّل؟
أنتِ لا تُمسكينَ الكتابَ بيدِك
بل تضمينه إلى صدرِكِ
كأنَّه طفلُكِ الأوَّل
أو عشيرُكِ الوحيد
حينَ تقرئينَ
يتغيَّرُ ميزانُ اللغةِ
وتخجلُ الحروفُ من عريِهَا
فتستعير منكِ أنوثَتَها
أراكِ في الزاويةِ القصيَّةِ من المكتبة
كأنَّكِ نبيَّة تتلقَّى وحياً من ورق
تتأمَّلينَ الغلافَ كما لو كانَ جبيناً لحبيب
وتقلِّبينَ الصفحاتِ
كما لو كنتِ تلامسينَ جلدَه
أيّ جنون يسكنُك؟
حين تضحكينَ فجأةً من سطرٍ ساخر
أو تدمعينَ من قسوةِ فاصلة
أو تغضبينَ لأنَّ شاعراً
خانَ المعنى في لحظةِ ضعف
لقد سرقتِ من الكتبِ نضجَها
ومن المفردات كبرياءَها
وغرزتِ في كلِّ نصٍّ تقرئِينه
بصمتَكِ
كأنَّك توقِّعينَ على الوجود
أنتِ لستِ قارئةً عابرةً
أنتِ التي تُعيدينَ تأليفَ الكونِ
بمزاجٍ أنثوي
وجموحٍ لا يروّض
فما حاجتي بالنساء
إن كانَتِ الكتبُ بينَ يدَيْكِ
تغارُ منكِ؟
وما حاجتي بالشعر
إن كنتِ أنتِ القصيدة
التي تقرَأ نفسَها
وتكتبني
دونَ أنْ تدري؟
الأديب: محمد نور الدين محمد