غير مصنف

بين قدسيّة المعنى وتشوّه المصطلح: قراءة في عبارة: «الزواج ستر» و«إكمال نصف الدين».. بقلم: نرجس الشجيري

هل الزواج “ستر” فعلاً؟ وهل يموت العازب ناقصاً دينياً كما يُتداول… أم أن المشكلة في اللغة التي نصفه بها؟

تتردّد في خطابنا الاجتماعي عباراتٌ مرتبطة بالزواج تبدو مألوفة وبسيطة، لكنها عند التأمل تكشف عن حمولةٍ دلالية تحتاج إلى مراجعة. ليست المشكلة في الزواج بوصفه علاقة إنسانية سامية، بل في اللغة التي تحيط به، والتي قد تحمل – من حيث لا نش
عر – إيحاءاتٍ تمسّ كرامة الإنسان بدل أن ترفعها.
حين يُقال: إنَّ «الزواج ستر»، فإنَّ المعنى اللغوي لكلمة ستر يحيل إلى الإخفاء والتغطية والحجب. وهي معانٍ تُستعمل عادةً مع ما يُراد عدم ظهوره. وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل المقصود هو الإنسان نفسه؟ أم أن المقصود معنى الحماية الاجتماعية وصيانة الخصوصية؟
إنَّ إعادة توجيه الفهم نحو المعنى الثاني تجعل المصطلح أقرب إلى الكرامة الإنسانية؛ فالإنسان ليس عيباً ليُخفى، لكنه قد يحتاج إلى إطارٍ آمن يحفظ خصوصيته واستقراره النفسي والاجتماعي.
وبالمثل، تُستَخدم عبارة «إكمال نصف الدين» أحياناً وكأنها معيارٌ لقياس تدين الأفراد، بينما يمكن فهمها – في سياقها الوعظي – بوصفها دعوةً إلى بناء حياة متوازنة تعين الإنسان على الاستقرار الأخلاقي والنفسي، لا حكماً على إيمان من اختار مساراً مختلفاً في حياته.
فالدين، في جوهره، علاقةٌ شاملة بين الإنسان وربّه، تتجلى في السلوك والقيم والضمير، ولا يمكن اختزالها في حالة اجتماعية واحدة. كما أن الواقع يبيّن أن الزواج ليس حلاً سحرياً لكل التحديات الأخلاقية أو النفسية، بل تجربة إنسانية تنجح بقدر ما تقوم على الوعي والاختيار الحر والمودّة الحقيقية.
وحين قدّم النص القرآني صورة الزواج قال:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
فكانت المفردات: “سكن، مودة، رحمة…” لا معالجة نقصٍ في أحد الطرفين.
إنَّ المجتمع المتعافي يبدأ من مراجعة لغته؛ لأنَّ اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل أداة تشكيل للوعي. وعندما تصبح المفردات أكثر احتراماً لإنسانية الإنسان، تتغيّر نظرتنا إلى العلاقات، وإلى الزواج، وإلى التدين ذاته.
فالزواج – في صورته الناضجة – ليس ستراً لعيب، ولا تعويضاً عن نقص، بل مساحة لقاءٍ بين إنسانين كاملين في إنسانيتهما، اختارا أن يبنيا معاً معنى السكن والمودّة والرحمة.
واخيراً
الزواج ليس ستراً لعيب…
بل سكنٌ لروحٍ وجدت روحاً تشبهها.
هناك الكثير من المصطلحات المتداولة غير الصالحة للاستخدام والتي لا تتوافق مع العقل والمنطق. يجب على المجتمع الوعي بها ومحاربتها والقضاء على سمومها المتناقلة عبر الأجيال.

نرجس الشجيري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى