
قصيدة ملحمية عصرية
1
عادَ المطرُ إلى ستوكهولم،
يُبدّلُ الغيومَ كأنّه يُلبسها ثوبَ جنون،
يطرقُ الأرصفة،
ويحوّلُ زجاجَ النوافذِ إلى نوتةٍ حذِرةٍ من البهجة
المستعصية على المدن الوديعة.
تُحذّرنا من الهروب، فكلُّ المدن ترانا هاربين،
إلّا هي… لا تفرّ.
لأول مرة أندهش في غربتي،
المطر هو من يختار غيمته بعناية،
بيضاء يعلوها تاج أسود،
ظننت أن رأس جدي بكوفيه جاء يراقب دفءَ الغيوم،
ولديه بشرى للحدائق،
وأرصفة الورد، ويحاكي الشبابيك.
ولا شيء سوى أني
لستُ عاريًا مثل رقبة غصن القيقب،
الممتد بعرض رصيف الشارع…
يتوق للمس شعر الصبايا.
سأعدُّ المطرَ باسمه،
ولا أخافُ المساء إذا ارتدى كتفيّ
متلهفًا لضياعه.
يا للوهلة أن نكون خارجَ اللعبة
ونحن واقفون فوق خمسِ قاراتٍ
تحرّكها جزيرة.
نرى الخراب يمرّ كالأشباح أمام أعيننا،
ونسمع صدى صوتِ رجلٍ مات،
وكان اللعبةَ نفسَها.
ولا تجدُ مدفنَه إلّا على عتباتِ الدول،
حتى المطر يتبرّأ…
ونحن نتبرأ وننسى.
2
لم يُخلق الإنسان ليحترس في جنونه،
فهو حرُّ المنكبين واللسان،
ولا ليعيش حارسًا لمن لم يُولدوا من أجله
عاشقين أو صاغرين.
كفراشةٍ تُجيدُ الحنين،
ولو ضلّتِ الهواء،
أو حجرٍ
إذا حملته الريحُ هوى… من غربته.
كلُّ شيءٍ يترنّح ونحن نترنّح في وهج الغربة،
يصحبنا الشوق مثل المطرقة.
نحن نتعب الأشياء
لأننا مُرهَقون من نبذنا،
فلا غيمةٌ تذكرنا،
ولو بين نجمتين في السماء.
تجاوروا القطيعة
ومن الغربة صنعوا للسماء الرداء.
بقيتُ معلّقًا
بينَ البقاءِ تحتَ الغيمة، والفرارِ منها.
أنا زائرٌ،
سائحٌ محروم من حبلِ غسيلٍ
يشهد أني من هنا.
حتى ولو لم يسألني المارون،
كانوا وكأنهم يعلمون.
لم أتعبْ بعدُ من صخب المدن.
سألت المطر وأنا أمسح وجهي:
من أيّ بحرٍ تجمّعت؟
البحر الأبيض هو بحرنا في فلسطين،
هل مررتَ بيافا؟
أم جئتَ من نواحي غزّة،
محمّلًا بلوعات الجياع،
وحصارٍ يكاد أن تصفه الشواطئ بامتحان الدم في الوريد.
الكلُّ عالقٌ في دوّامةِ الحصى والتراب،
أشبه بميلاد كوكب على شرفات الأرض.
سمعتُ خبرًا يكاد أن يكون جريمة:
لقد تبخّر الدمع في غزّة.
فلا تكن غريقًا في المأساة،
افحصْ حملك أيها المطر،
أخشى عليك أن تشارك في طمس البكاء.
3
وأنت بريءٌ من ماءٍ لوّثته الأحقاد.
لا أحدَ يلفُّ الحلوى على الأصابع المكسورة،
ولا مطرٌ يتناول جوعه من بخار الحرائق
ليختبر النقاء.
لا ترتعب حتى ولو كانت السماء تحميك،
والأرض مثواك.
احذرْ غرور القطيعة في منتهيات الحكايات.
هل جئتَ بالصَّدَفِ والأسماك؟
أم خرجتَ من أنفاسٍ استلقت ثكلى على أجساد المظلومين،
تحملُ بردًا يكفي لقتلِ الحنين؟
لستُ هنا لأراك حزينًا.
يا نهرًا يتمتّعُ بشقِّ الأرض شهوةَ العِشار،
ويا مطرًا يواليه في السماء.
أنا بين ضفتين من ولاء ووفاء،
نجري والأرض تمتدح البقاء.
من يمتدح خطواتي فوق الماء؟
قال المطر: «من أنت؟»
قلتُ: أنا وردةٌ حنطيّة،
فلسطينيةُ المنشأ، فاتنةُ المحيّا،
لا أطلُّ من فوقِ الأسوار،
ولا أختبئ خلف الأسرار.
أبعثُ عبيرَ وجودي في الغربة،
فالوجدُ يحتاجُ إلى أنصار.
أم سيّدًا وهميًّا في ذاكرتي،
أخفى بين أصابعه نارًا،
قلمًا يكتب أنشودةَ الغيظ من الوفاء.
4
يا أيها المطر قد جئتُ بلا عناد،
فلا تنكمشْ على غيمتِك،
ولا تغضب.
أنتَ لستَ وكيلًا على العواصم،
ولا سيّدًا على البلاد.
إن غفلتْ عنك الغيمة، فستبقى معلّقًا،
ولا تدري كيف ينامُ الفؤاد.
لو كنتَ من يافا،
لأضاءت الأشجارُ بألوانِ الأسحار،
ولامتلأت الأرصفةُ بضحكةِ البحر.
انتظر… انتظر قدوم البشرى في النهار.
شممتُ من ستوكهولم عبيرًا،
ردّ إليّ الحواسّ تحت الأضلاع.
لكنني، آهِ يا حسرتي،
لن أنصفَ المدن في ترحالي،
ولا أُجيدُ البكاء على ما أنا فيه.
يا صبرا… وُلد معنا عِشْ عمرًا
ليكسونا في هذا الانتظار.
يا ليتَ بحرَ يافا يصعدُ إلى الغيوم،
وغزّة تظلُّ تنبضُ في صدري.
عدتُ خجولًا إلى شوارع ستوكهولم،
أستشعرُ فيها كرم المعطائين،
وقلتُ:
من سحرِكِ… نسيتُ حتى ملامحَ نفسي في عهد الحنين،
كلُّ الجماليات هتفت في منتصف الليل،
الغيم من غزّة، والمطر من يافا،
وأنا ذاك الشريد،
مطرٌ عالقٌ بين غيمتين،
بينهما شباك.