كتاب وشعراء

الجرح الكوني ..وطن بلا خارطة…بقلم أحمد سعود عوض

قصيدة في معنى الإنسان حين يفقد اسمه

الإهداء

إلى كلِّ جرحٍ
تعلّم أن يفكّر بدل أن يصرخ،
إلى الأوطان التي صارت أفكارًا
حين مُنعت من أن تكون خرائط،
إلى الإنسان
حين يكتشف أن كرامته
آخر حدود العالم.

مقدمة

هذه القصيدة لا تتحدّث عن مكانٍ بعينه، ولا تستدعي اسمًا ولا علمًا ولا جغرافيا، بل تنقل التجربة من حدود الوطن إلى فضاء الوجود.

في “الجرح الكوني (وطن بلا خارطة)” يتحوّل الوطن إلى فكرة،
والفقد إلى سؤال فلسفي، والألم إلى لغة رمزية تبحث عن معنى الإنسان في زمن الإبادة والتشييء.

إنها قصيدة تفعيلة حرّة تقوم على تفكيك العلاقة بين الخرائط والمعنى، وبين الدم واللغة، وبين الموت والخلود.

فالجرح هنا ليس حدثًا سياسيًا، بل بنية كونية تتكرّر كلّما وُضع الإنسان أمام امتحان كرامته.

تكتب القصيدة من موقع الشاهد الوجودي، لا من موقع الشعار، وتحوّل المأساة إلى رؤية، والضحية إلى سؤال مفتوح، والوطن إلى رمز للإنسان حين يُجرَّد من اسمه ويُجبر على أن يخترع نفسه من جديد.

هي قصيدة عن البلاد التي لا تُرسم، والهوية التي لا تُختصر، والإنسان حين يصبح وطنًا بلا خارطة وجرحًا بلا نهاية.

النص الشعري

الجرح الكوني

(وطنٌ بلا خارطة)

تمشي
على ضلعِ الزمنِ المكسور،
لا كمدينةٍ
بل كفكرةٍ تنزفُ في رأسِ التاريخ.

كلّما حاولوا رسمَها
محَتْ أصابعُها الخرائط،
وقالت:
أنا لستُ مكانًا،
أنا امتحانُ المعنى.

نارٌ
تُربّي الطينَ على الوقوف،
وتعلّمُ الحجرَ
كيف يصيرُ سماءً.

وحين ننكسر
لا نسقط،
بل نصيرُ سلالمَ
يصعدُ عليها الضوءُ المتعب.

علّمتنا
أن الطريق ليس طريقًا،
بل قصيدة
تمشي على قدمين من دم.

وأن الموت
ليس نهاية،
بل ترتيبٌ جديد
للأسماء
في دفتر الخلود.

في كل حجرٍ نائم
سرُّ نبوءة،
وفي كل جسدٍ غائب
تستيقظُ الأزمنة.

قالوا:
انتهى الدم عند التراب،
فأجابت الأرض:
الدم يبدأ
حين يصير فكرة.

نكتبها
لا بالحروف
بل بالشروخ،
حتى يصير الجرح
لغةً كونية.

لسنا نشيدًا في مأتم،
نحن السؤال
حين يهرب الجواب.

نمشي إليها
بأقدامٍ من فقد،
وحين نصل
نذوبُ في اتساعها،
فنصير أكثر من أنفسنا.

الزمن دائرة،
ونحن جرحُها المفتوح،
والجرحُ بوصلته
إلى ما بعد الساعة.

في كل طفل
يولد تاريخٌ جديد
من رماد البيت،
ويمشي إلى المدرسة
حاملًا كوكبًا في حقيبته.

لسنا ضحايا
في كتاب العابرين،
نحن الفصول
حين يتمزّق الكتاب.

يا فكرةً
خرجتِ من اللحم
إلى الضوء،
من القيد
إلى المعنى المطلق.

في كل منفى
ينبت بيت،
وفي كل خيمة
ينام وطنٌ كامل.

في كلِّ أمٍّ
تصيرُ الدموعُ لغةً،
ويتحوّل الصبر
إلى فلسفة نجاة.

ما بين رصاصة
وصلاة
يولد إنسانٌ جديد
من الدخان.

في كل قبر
نافذة،
تطلّ على زمن
لا يحتاج إلى أسماء.

ومن كل شقٍّ في الجدار
يخرج قمر
يُسمّى حرية.

نمشي
على حدِّ العدم،
ونعرف أن الوجود
اختبارُ كرامة.

لسنا دمًا مسفوحًا بلا معنى،
نحن المعنى
حين يُصلَب.

في كل كارثة
يعود السؤال:
من نحن
حين يضيق العالم؟

نحن
الذين حملوا التراب رسالة،
حتى صار التراب
سماءً مؤقّتة.

نحن
الذين علّموا الخسارة
كيف تصير أغنية.

لسنا نهاية القصة،
نحن بدايتها الثانية.

وحين يسألوننا:
من أنتم؟
نقول:
نحن البلاد التي بلا اسم،
لكنها تملك
كل الأسماء.

نحن الجرح
حين يفكّر،
ونحن الفكرة
حين تمشي.

ومن أوّل الصرخة
إلى آخر الرؤيا
نبقى:
سؤالًا مفتوحًا
وجوابًا يمشي
على قدمين من نور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى