
2026/02/17
*خاص: مجلة الإعلام والفنون – لبنان
حفل توقيع كتاب «قبل أن تغيب الشمس»، لمؤلفه د. علي منير حرب، تحوّل إلى ما يشبه المهرجان احتفاء بالثقافة والمثقفين.
برعاية جمعية آفاق الثقافية، وبحضور حشد كبير من أهل الفكر والقلم والصحافة، الأكاديميين والسياسيين والأدباء والشعراء، وممثلي الجمعيات والأندية الثقافية، إلى جانب أسرة المؤلف، أقيم في مركز الترفيه والثقافة في مدينة مونتريال – كندا، مساء يوم السبت الواقع فيه 2026/02/14، حفل توقيع كتاب «قبل أن تغيب الشمس»، الصادر في بيروت بنهاية العام الماضي.
قدّم الحفل الإعلامي فكتور دياب، وأضفى عليه الفنان إدي بندلي، لمساته الغنائية الرفيعة، وقام بتصويره السيدة ناريمان الخزوز والسيد عصام حدّاد.
فكتور دياب
في تقديمه قال دياب: نلتقي اليوم بين دفتي كتاب ويدي كاتب فاض حبره وحبّه، فكأننا نعلن أن اللقاء ليس قراءة فحسب، بل معانقة روح لروح. نبحث عن ظلّنا في مرايا الحروف، ونصافح قلبًا قرّر أن يبوح بدل أن يصمت. «قبل أن تغيب الشمس» يحمل طاقة رمزية عالية، ويُعدّ من العناوين التي تفتح أفق التأويل منذ اللحظة الأولى. ويُشير إلى لحظة انتقالية بين النور والظلام، بين الحضور والغياب، بين الوضوح والغموض.
وليد حديد
ثم ألقى راعي الحفل، المهندس الأديب الدكتور وليد حديد، رئيس جمعية آفاق الثقافية، كلمة افتتاحية، جاء فيها: عندما تفشل السياسة، ويفشل القادة في حماية الأوطان، تتقدّم الثقافة لتحمي الإنسان. وعندما تتمزّق الجغرافيا، تبقى اللغة وطنًا، والذاكرة جذورًا، ويغدو الأديب حارس الهوية. في «قبل أن تغيب الشمس»، لا يكتب الدكتور حرب من موقع الرثاء بل من موقع التنبيه، لا يكتب بعد الغروب بل قبله. هو كتاب يقف عند لحظة دقيقة: لحظة ما زال الضوء ممكنًا، ولكن الظلال بدأت تتمدّد. هذا العمل ليس تأمّلًا في العتمة، بل دعوة إلى الوعي قبل أن يفوت الأوان. هذا الكتاب لا يصرخ ولا يهاجم ولا يهادن، بل يخاطب الضمير بهدوء وثقة، كأنه يقول لنا: ما زال هناك وقت، لكن الوقت ليس مفتوحًا إلى الأبد.
فيصل الخوري
ثم ارتجل النائب الفيدرالي اللبناني الأصل، في البرلمان الكندي، فيصل الخوري، كلمة أشاد بها بإنجازات المؤلف، ومساهماته في الحقل الثقافي، وقال: إنه من المشقّة بمكان أن أحظى بكلمة أو بعبارة أستهلّ بها كلامي عن الدكتور الأستاذ علي حرب، إنه علم من أعلام الفكر، وسيّد من أسياد الكلمة، أدبية كانت أو شاعرية. تبوّأ مركزًا في هذا المجال قلّ من وصل إليه من فطاحل عصره.
وتابع مخاطبًا المؤلف: يا أصيلًا يا ابن الأصلاء. أنت الفارس الذي امتطى جواد اللغة العربية، وراح يصول في ميدانها. وأرى الكرامة والعزّة والإنسانية تحوم حول هامتك. وأزيد بأنك حشرت البلاغة بين المهماز وقدميك. أنت في يومك أقوى من أمسك. ومع كل إشراقة صباح نور يشقّ دروب الكلمة. وفي كل مجد، من أمجاد اللغة، أنت ميمُه وجيمُه ودالُه. هكذا كنت ولا تزال، تسير من قمّة إلى قمّة. عافاك الله وأغناك يا من أغنيتنا، ويا من أنت لا تستطيع أن تذهب إلى فراشك، إلّا أن يكون ضمير اللغة مرتاحًا، وفي هدوء ينعم في بالك ويلفّ خيالك الذي لا حدود له. أنت الأسد الذي ربض عند منابع اللغة، يسهر على نقاوة كلماته. لتحفظك السماء، وليكن دائما عطاؤك هو العطاء الصخّاب.
بدور عبد الباقي العطّار
وفي قراءتها للكتاب قالت الأديبة السورية بدور عبد الباقي العطّار: في لحظات كهذه، لا نجتمع حول كتاب فقط، بل حول فكرة تحاول أن تعيد للإنسان حقّه في التفكير، وحول كلمة تبحث عن الضوء في زمن ازدحم فيه الضجيج، وقلّ فيه المعنى.
وتابعت قائلة: نلتقي اليوم مع فكر لا يهادن، ومع كتاب يُقرأ ليوقظ السؤال في داخلنا. إنه تحذير فلسفي ونداء ثقافي، واستعارة زمنية تقول لنا: لا تنتظروا الغروب لتستيقظوا، فالأفكار تموت حين نؤجلها. هذا الكتاب، هو دعوة للخروج من القصور، قبل أن يصبح الغياب عادة، ويغدو الظلام شكلًا من أشكال الاعتياد. هذا الكتاب هو معجم خبرة ومعرفة، وخريطة ذهنية لفهم العالم، إنه يخلخل المسلمات وينتقد الوعي الكسول، ويهزّ الركود الفكري. إنه رسالة تنقذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تغيب الشمس فعلًا عن حياتنا وعن أوطاننا وعن وعينا.
ماهر علي حرب
من جانبه، نجل المؤلف، المهندس الإلكتروني ماهر حرب، ألقى كلمة العائلة فقال: إن هذا الكتاب الذي نحتفي بتوقيعه اليوم، هو وثيقة إنسانية صادقة، تجسّد رحلة حياة بدأت من لبنان، وتنوّعت محطاتها بين أوروبا، والكويت، وأفريقيا، قبل أن تستقر أخيرًا في كندا، بعد سنوات طويلة من العمل والسعي الدؤوب. ولم أكن أدرك عمق حبّ والدي للغة العربية، ولا مدى تعلقه بها، حتى كبرنا، وأصبح لنا أبناء. عندها فهمت أن هذه اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي جسر يربطنا بجذورنا، وركيزة نادرة تحفظ تمسّكنا بثقافتنا وحضارتنا. فباللغة نحمل الذكريات، وبها ننقل القيم، ومن خلالها يبقى انتماؤنا حيًا في أبنائنا، مهما ابتعدت بنا المسافات. ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة علاقاته، وتحولت الغربة إلى شبكة من الروابط الإنسانية والمهنية، حتى بلغ مرحلة من الاستقرار والهدوء، أتاحت له أن يحقق حلمًا قديمًا طالما راوده: أن يكتب قصته، ويوثق تجربته، ويشارك الآخرين خلاصة رحلته الطويلة.
إن هذا الكتاب زاخر بالذكريات؛ ذكريات تعيدنا إلى الماضي، وتوقظ فينا الحنين، وتمنح القارئ فرصة ليجد ذاته في بعض محطاته. إنه كتاب يلامس الوجدان الإنساني المشترك، ويذكرنا بأن الغربة، رغم قسوتها، قد تكون بداية جديدة، وفرصة حقيقية لتحقيق الأحلام، وبناء حياة متكاملة، أساسها العائلة، والدعم المتبادل، والقيم الأخلاقية والتربوية.
هتاف السوقي صادق
وبعنوان: “مجد النهج”، ألقت شاعرة الأرز، وصاحبة صالون هتاف الثقافي، السيدة هتاف السوقي صادق، قصيدة عصماء، من وحي الكتاب والمناسبة قالت فيها:
عالٍ كما المجد، حدّث واحضنِ القمما يا (نهجُ) بلّغ عليًّا واحتفل علما
نهجُ البلاغة في عينيه بحر فضًا فاقطف نجومًا وجالس شمسَه حرَما
جئناك نغرف من نبعيك غَرفَ نهىً نبع المربّي ونبعٌ أمّم الأمما
أخي: أخاف على عصر يناوئنا المبلسون على أحقادهم ذمما
فالسارقون خمير الأرض حين ربتْ واهتز فيها ثمار واجتنت نعما
فأنثُرُ النور من لألاء قافيتي تراقص الكون سحرًا هلّ وارتسما
لبنان تاجي وأرز الرب حارسه من صلبه الحرف طاف الكون فانتظما
حلّق فديتك لبنان الحبيب غوى أنت الزرعت بذورًا فاحصد الشمما
ربيع الدبس
تحت عنوان «قبل أن تغيب الشمس…أو بعد أن نتملّى لهّبَها الخلاّق»، أضاء الأكاديمي اللبناني الدكتور ربيع الدبس، حول الزوايا المختلفة في الكتاب فقال: بداية، نريد إقناع أنفسنا بانتفاء الرابط بين عنوان الكتاب وبين مشهد الغروب الطاغي في لوحة المعريّ البصير: “نفِرّ من شُرب كأس وهْيَ تتْبَعنا كأننا لمنايانا أحبّاءُ”.
نريد أن يستقر في يقيننا ذلك الاقتناع، فكيف إذا تجلَّى في إصدارٍ تتقاطع فيه الحروف بأنفاس تتشبث بالورق وتعلن التفلُُّت من عالم النسيان؟ أقارب الكتاب انطلاقًا من محرّضاته الأكثر جدية على التفكير. لقد تأثرتُ عميقاً بشرارات وجدانية تُزمجر بين ثنايا الكتاب. ونحن نجزم أن في الكتاب، المُجَنّحة سطوره بألوان الشمس أو بأفيائها الضرورية للحياة، ما يَشِي بأن رحلة الإنسان الاعتبارية تبدأ به لا بما فُرضَ عليه. إذْ ذاك يكون هو مهندس مستقبله لا عبد ماضيه. مِن هنا القول الفصل للمؤلف في مقدمته، إن الكتاب إذا “لم يؤدِّ الغرض في ما هدفتُ إليه، فعذري أنني اجتهدتُ وحاولت أن أرفع جدارًا بسيطًا في بناء المدينة المثقفة.”
يركّز المؤلف على أهمية اللغة العربية والابداعات فيها. لكننا لم ندرك الداعي للإتيان برأي المفكرَيْن ارنست رينان وإدوارد سعيد اللذين أشادا باللغة العربية، إذْ ليس لأي منهما أثر بالعربية ذو بال، بل هما لم يُتقناها أصلًا. فالمؤلف وقف على رأي المثقفَين الكبيرَين طه حسين وصبحي الصالح، فهذان نموذجان تتوافر فيهما شروط الشهادة. لكنْ تُسجَّل للمؤلف إشارته إلى أن التراجع المتسارع في العالم العربي هو في عمقه تراجُع معرفي.
وختم الدبس بالقول: همسةٌ أخيرة، وهي أن أمامنا كاتبًا متمرّسًا بوقار القلم وقدسية الكلمة، لا سيما في الزمن الذي انحدر المستوى العام للكتابة إلى حد الفجيعة. إنه، كجميع الأدباء الأُصَلاء، على يقين أنه جاء من الطين، لكنه يتحدّى ترابيته من أجل أن يغدو قامة من ضياء.
حبيب زعرور
أما الإعلامي الباحث السوري حبيب زعرور فقد رأى في الكتاب رحلة ثرية حافلة بالعطاء، يتنقل فيها القارئ بين المؤتمرات والقضايا والأبحاث والقراءات والندوات والحوارات والمقالات. وقال: حمل المؤلف في كتابه هموم الهجرة والاغتراب، وآلام اللغة ومعاناتها، وجذور الثقافة العربية وما تواجهه من تحديات في موطنها كما في اغترابها الشاسع، دون أن ينسى جيل الشباب وما يواجههم من صعاب وتحديات، سيما مع الثورة الرقمية المخيفة، وما استحضرت معها من ذكاء اصطناعي بين الحقيقة والخيال، ومن دون أن ينسى أيضًا المرأة، وتحرّرها وقلمها وثقافتها. ومما بدا لي في هذه الموسوعة غنيًا بالمعرفة، هو مضي المؤلف بعيدًا في البحث عن معنى كلمة ثقافة ومصدرها اللغوي وولادتها التاريخية ومنابعها الأولية وعلاقتها بحياة الانسان. وأثار اهتمامي ما وصل اليه الدكتور حرب، بأن كلمة “ثقافة” هي من لحم اللغة العربية ودمها، وهي راسخة في جذورها منذ أمد بعيد، قبل استخدامها من قبل الغرب، في القرن الثالث عشر. فالتطور الذي شهدته الكلمة ومدلولاتها لدى الغربيين، ما هو في الحقيقة الا تمثّلاً تامًا لما يعنيه فعل “ثقف” المتجذر في لغتنا وتراثنا العربيين، والذي يدل على الحذق، والمهارة، وسرعة التعلم، والتقويم.
مسعود معلوف
وفي مشاركته من أميركا قال السفير اللبناني السابق مسعود معلوف: الدكتور علي حرب أديب يملك اللغة العربية بشكل تام، وهو مثقف بامتياز، لدرجة أن مجموعة مثقفين عرب منحته لقب “الأب الروحي للثقافة العربية”، وهو يشارك بالعديد العديد من التجمعات الثقافية والأدبية. ومن يملك اللغة والثقافة كما يملكهما الدكتور علي، لا شك أن كتاباته وكتبه ستلقى رواجًا منقطع النظير.
هذا الكتاب ليس رواية، ولا كتاب فلسفة، ولا مذكرات، ولا كتاب تاريخ، ولكنه بالواقع يشمل كل هذه الأمور، مع تركيز خاص على اللغة العربية وعلى الثقافة العربية بصورة عامة. بالإضافة الى شرحه المفصل والمعمق عن اللغة العربية، يعرض الدكتور علي حرب المزايا الفريدة التي تميزها عن سائر اللغات شارحًا تطورها عبر العصور، وصولًا الى ولادتها الثانية التي تمت، كما يقول، بإرادة الله سبحانه بين يدي الإسلام بفضل القرآن الكريم، حيث انتقلت من الحيّز الجغرافي المحلي الضيّق الى فضاء العالمية، فتجلّت بأنصع وجوهها وحلّقت بأجنحة سماوية. ولفتني بصورة خاصة تطرقُه الى موضوع الذكاء الإصطناعي الذي يجتاح العالم حاليًا، لافتًا الأنظار الى حسناته من جهة، والى وجهه الكالح من جهة ثانية، وكذلك تركيزُه على العلاقة بين الادب والثقافة، وعلى التكامل بين هذين المصطلحين.
زياد أبو لطَيْف
وشارك النائب الفدرالي في البرلمان الكندي، اللبناني الأصل زياد أبو لطَيْف، بقصيدة زجلية أدبية رفيعة، جاء فيها:
من قبل ما تغيب الشمس جايب إلك كمشة محبة، ومن أرز لبنان كرز
حتى إذا بشرع الطبيعة في فرز بين العلى دروب العتم راح وسلك
وبين اللي عاش بهالدني يضوّي الحَلَك شو بتشبهن متلك ولاد الأرز
بالعنفوان طموحهن شمخة ملك
قبل الشمس ما تغيب خلّي الشمس توقف على شاطيك يا بحر الوعي
وقفة مُعاني بهالعمر جدّ السعي ما الشمس كتلة نور شعلة همس
ما الشمس خدّ بينكوى باللمس وبريشتك لمسة صابيع الألمعي
لولا الشمس بتغيب بعدا شمس
جاسم مصاول
“أزمة الثقافة أم أزمة المثقف؟” تحت هذا العنوان، قال السفير العراقي السابق الأديب الشاعر جاسم مصاول: يطُلُ علينا الباحث الدكتور حرب من بستانه الفكري في آخر إصدار له بهذا المؤَلف الرائع عن مأساة الثقافة العربية، وأزمتها وأزمة المثقفين العرب. هي صرخة في وديان هذه المأساة: أين ذهب المثقفون العرب؟ ونحن نعيشُ أسوأ أزمة ثقافية مرت على الامة، اضطرب الزمن لدينا وأصابتنا المرارة في النفوس لأن الثقافة العربية في محنة.
يقدّم لنا الدكتور حرب في كتابه، قراءة فكرية وثقافية موسعة، مركّزًا على ثنائية اللغة والثقافة العربية، بوصفهما محور الهوية ومفتاح النهضة الممكنة. ينطلق العرض من التأكيد على أن العربية ليست مجرّد وسيلة للتواصل بل وعاء حضاري، حمل التراث الديني والأدبي والعلمي عبر العصور، وامتلك قدرة اشتقاقية وبلاغية جعلته حيًّا ومتجدِّدًا.
يتتبع الكتاب جذور العربية السامية وخصوصية بنيتها، ودورها في نشأة الشعر الجاهلي ثم ازدهارها مع نزول القرآن الكريم، ما جعلها لغة عالمية للفكر والمعرفة خلال العصور الإسلامية.
يتوسع الكتاب في مناقشة جدلية الجذور والترجمة، بين المحلي والوافد، ويطرح السؤال كيف نحافظ على الأصالة دون انغلاق، وننفتح دون ذوبان؟
أسامة أبو شقرا
من جانبه، تناول الباحث الأديب مقدّم الكتاب، أسامة أبو شقرا، ما وقع عليه في هذا الكتاب فقال: عندما قرأت عنوان كتاب الصديق د. علي حرب، «قبل أن تغيب الشمس»، انتابتني سحابة من الأسى، ظنّا منّي أنّ اختياره هذا العنوان، هو من قبيل التشاؤم. فهل كان يقصد «غياب شمس العمر»؟ على الرُّغم من يقيني الراسخ بحسن وصدق وعمقِ إيمانه النابع من عقله قبل فؤاده؟ فَرُحت أبحث بين سطور مقدمته للكتاب، التي استهلها بعبارة تختصر مسيرة حياة الإنسان العملية، بقوله: «وما حياةُ الإنسانِ إلّا حراثةٌ في حقول الأيام، وانتظارٌ للمواسم، واجتهادٌ لجمع الغلال والمحاصيل»؛ فعثرت بعدها على توضيحه لما دعاه إلى اختياره لهذا العنوان؛ قائلًا: «قبل أن تغيب الشمس»، استلهمتُ عنوانَه من كتاب المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه «شمس العرب تسطع على الغرب»، فأيقنت أنه يقصد شمس المعرفة والثقافة.
«قبل أن تغيب الشمس» كتاب صاغه، صديقي «علي»، حاملًا على مَنكبيه همومَ الوطنيّ، وهمومَ مربِّي ومعلّم الأجيال، وهمومَ الإعلاميّ في تنشئة الأطفال على شاشات التلفزة، وهمومَ أبِي الثقافة وحاملِ لوائها، وهمومَ العربيّ الذي يرى بعينين ممتلئتين بالأسى وخيبة الأمل، الكثيرينَ من أبناء جلدته، يُديرون ظهورهم للغتهم التي يعشقُها، ويتجاهلون قواعدها ويُنكرون عليها ما قدّمت لهم وللعالم أجمع من الأعمال الحافظة والحامية للحضارة والعلم والثقافة.
محمد حرب
الدكتور محمد إقبال حرب، في قراءته للكتاب، قال: راودني سؤال غريب حول هدف د. علي حرب من «قبل أن تغيب الشمس» ما الذي يُنذرنا به لنستدركه؟ انكببت عليه لعلمي، أولًا، بعُمق حرب وبلاغته وأهدافه، فهو يكتب بسلاسة من دون اللجوء إلى كلمات عبشميّة، ورموز علمية أجنبية إلا للضرورة القصوى، وثانيًا لإثراء جهلي في ما يتعلّق بالشمس التي يقصِدُها.
بحثَ د.علي ومحّص في كل ما يكوّن آتون شمس العقل حتى لا تغرُب، بدءًا من اللغة العربية وخصائصها والحراك الثقافي في المهجَر، إلى النهضة المُعطّلة وصراعِ الحداثة مع نظام العمى، إضافة إلى كم لا ينتهي من البحث في عُمق الإنسانية وصراعاتها. وأخذت الغربةُ حيّزًا كبيرًا من الفصول الأولى، وأومأت برأسها عبر الفُصول الباقية. كما وجّه رسالته إلى العربي المثقف الذي تقع عليه مسؤوليات وتبعات لا يجوز أن يتقاعس عن حملها مهما كانت الظروف، وعليه أن يثابر على حمل مصباح ديوجين ليلًا نهارًا، للبحث عن الإنسان النظيف، واقتحام كل زوايا الظلام في المجتمع لإنارة الطريق أمام الناس.
عصام حرب
شقيق المؤلف، عصام منير حرب، في رسالة من لبنان قال: «قبل أن تغيب الشمس»، كتاب يحمل بين ضفتيه، مواضيع شتى، من آراء وحكم ودروس في الثقافة واللغة، الى قضايا وأبحاث وحوارات وغيرها، مع لمحة عن أسباب هجرة المؤلف، حيث وجد ضالته في كندا، وراح يمارس نشاطه الفكري والادبي، في بيئة حاضنة آمنة، وفي مناخ هادئ مستقرّ، من دون ان ينسى وطنه، ومن هنا نقع على ما طرحه المؤلف من علاقة بين الوطن الأم ووطن الغربة. ومما يلفت النظر في مجمل الكتاب، هو دأب المؤلف على إيراد الشواهد، المؤيدة أو المعارضة، من مصادرها ومراجعها المتنوعة، الأمر الذي يدلّ على التزامه بموضوعية طروحاته وآرائه.
المؤلف علي حرب
وفي ختام الحفل، ألقى المؤلف الدكتور علي حرب، كلمة حمّلها حديث العرفان من القلب، والامتنان والشكر والتقدير للجميع، وقال: في هذا اللقاءِ لن أتحدث عن كتابي، بل سأتركه يحدثُكم هو عن نفسه عندما تضمّه أياديكم، لا سيما بعد أن سمعتم كيف أحاط به حضرات القرّاء الكرام، إحاطة العِقد الماسيّ بالجيد العاجي، وكيف دخل كتابي معهم محترفًا فنيًا أدبيًا وفلسفيًا رفيعًا، فأنتجوا عصارات تكوينه بديعًا وبيانًا، واستولدوا من مراميه ما لم أفطنْ أنني رميتها بسهم القصد، ورسموا من صفحاته، لوحات فكرية ما أدركت حين تدبيجها، أنني غامس ريشتي في ألوانها وخطوطها ورموز ملامحها البعيدة، واكتشفوا في إبحارهم الهادف الرصين، شواطئ لم أحسب أنني بالغها فيما كنت أعارك أمواج الكتابة، فجاءت خلاصة قراءاتِهم المتفحّصة، بما يتجاوز قدرتي على إتيانها بنفسي.
وتابع قائلًا: من هنا عزمت أن أتحدث عنكم، عن جميع الذين ساهموا في تنظيم هذا الحفل، وتوفيرِ كل الطاقات لإنجاحه، راعيًا ومقدّمًا. وعن الحضور الكريم، الذي يؤكد، مرة بعد مرة، أن الثقافة، بكل مكوّناتها وأدواتها وفنونها، ما زالت بخير، وما زالت قادرة على التصدّي والمواجهة، رغم كل ما تتعرّض له من محاولات التسطيح والتطبيع والتخدير، وأن خلفها جنودًا ممتلئين بالإيمان الثابت بأن الكلمة الأمينة نور وخير وبركة، وأنها ستبقى موضع حفاوة، للتمسك بها، ووضعها حجرًا مدماكًا في عمارة اليقظة والنهضة والحضارة. وإلّا فما جدوى فكرنا، وما جدوى كتاباتنا، وما جدوى لقاءاتنا، إن لم تجد اللاقطين صداها، قبل أن يضيع في فضاء المتاهات، والقاطفين ثمارَها، قبل أن تذوي وتذبل وتسقط في عتمة دفّات الكتب.
وختم موجّها تحية إكبار لأسرته، زوجًا وأبناء، الذي قدموا له الدعم والمساندة في أعماله، وكانوا شركاء له في كل صفحة من صفحات كتابه، كما كانوا النقاط المضيئة فوق حروفه، والمعاني الأجمل في كلماته.
وقبل أن ينفضّ الجمع قام المؤلف بتوقيع كتابه للجمهور.

-كندا في