كتاب وشعراء

هل تكتشف الحب… سماء الظاهري

هل نكتشف الحب… أم هو الذي يكتشفنا حين نكون عُزّلًا؟

بعد مرور عقدٍ كامل من الزمن، عدتُ، لا إلى مكانٍ بعينه، بل إلى نفسي؛ وكأنني لم أعش لحظةً واحدةً خارج تلك المدينة التي اتخذت من صدري وطنًا.
مدينة الحب.

كنتُ يومها طالبة في السنة الأولى بكلية التربية، قسم اللغة العربية، قادمةً من عدن؛ تلك التي لا تُعرَّف بوصف، لأنها أقرب إلى حالةٍ كونية: جنة الله على الأرض. حيٌّ جميل، وملامح قمحية، وعينان بنيتان تحملان شيئًا من بحرها، وشيئًا من شمسها، وكأن عدن اختارتني لأكون مرآتها.

مرَّ عقدٌ كامل، لم يترك في داخلي سوى الضياع، والخوف، وفقدان الصوت والهوية. حتى ملامحي بهتت، كأن الزمن كان يتعلَّم مني كيف يُطفئ الأشياء الجميلة ببطء.

تزوجتُ زميلي في الدراسة، مراد، ظنًّا أن الحب حين يُشرَّع يصير أكثر أمانًا. لم أكن أعلم أن بعض الزيجات لا تُكمل الحب، بل تختبر قدرته على البقاء حيًّا.

في السنة الرابعة من الدراسة، تزوجنا. استأجرنا منزلًا صغيرًا في خور مكسر. كنا نصحو مع الفجر، نشرب قهوتنا بصمتٍ دافئ، كأننا خُلِقنا من حبٍّ خالص، لا من طينٍ هَشّ.
كنا نظن أن ذلك يكفي.

عُدنا أربع مرات إلى مسقط الرأس، إلى الضالع، حيث تتجاور البدايات والنهايات دون فواصل. عملنا في المدرسة ذاتها، لكن الحب تغيَّر هناك، في تلك القرية العتيقة.
صار أكثر صمتًا، أقلَّ دهشة. صرنا نعيش عزلة القرب، تلك التي لا يُنقذك منها أحد. كلٌّ منا كان يخيط جراحه سرًّا، وكأن الاعتراف بالألم خيانة للاستقرار.

مرَّت سبعة أعوام، يا مراد، ولم يرزقنا الله بولد.
كنتَ تقول: سيأتي حين يريد الله، لا تقلقي.
لكن شيئًا فيك انطفأ. لم تعد تسمع فيروز، لم تعد تخزِّن صوت أبي بكر، لم تعد ذلك الرجل الذي أحببته. التمستُ لك ألف عذر؛ فالحياة بارعة في سرقة الأحلام الصغيرة. أقنعتُ نفسي أن الروتين عابر، وأن قلبك سيعود عامرًا… لكنه لم يَعُد.

دخلنا السنة التاسعة من الحب والضياع والحياة، وكل شيء مرَّ وكأنني كنت غائبة عن نفسي. حتى زياراتي لأهلي صارت بلا ذاكرة.

وفي ليلةٍ مقمرة، بلا نية ولا شك، وقعتُ على هاتفك. لم أكن يومًا امرأةَ تفتيش. وجدتُ قصة حبٍّ مكتوبةً بحبر روحك، لتلميذةٍ لك، طالبة في سنتها الأخيرة بكلية التربية.
حينها فقط، فهمت:
قلبك لم يخنني الآن… بل مات في روحي منذ زمن.

لم أبكِ. لم أصرخ.
سألتُك في صمت: لماذا لم تصارحني؟ لماذا تركتني أعيش وهم الاختيار؟
لم أمانع زواجك منها، رغم أنك وعدتها بكل ما حرمتني منه، حتى حلم الأمومة الذي قتلتَه في داخلي ببرود.
قلتُ لك: سأعود إلى أهلي، يا مراد، وأحمل وجعًا لا يشيخ.
وكان أبي قد صدق حدسه: افترقنا لأننا لم نكن نصلح لبعضنا.

الأكثر إيلامًا؟
أنك لم تتمسك بي يومًا.

ودَّعتُ أهلك، وقلبي يوقن أنهم يودِّعونني كما يُودَّع الفرد من العائلة. وعلى مشارف المدينة، ثقلت خطواتي، كأن الأمان كان أبعد مما تخيلت.
كنتُ وحيدة، بلا روح، بلا نبض. عُدتُ مكسورة الجناح، كأنني كنت أسيرة وهمٍ طويل اسمه الحب.

بماذا أحلف لك، أيها القارئ، أن اللغة خانتني أمام خيبتي؟

كل شيء تغيَّر. أطفال الحارة صاروا شبابًا. أخواتي لكلٍّ منهن حياة. أخي الوحيد تزوج. وأبي صار ظلًّا منذ رحيل أمي قبل خمسة أعوام.
قلتُ لنفسي:
كل ما كسركِ، يا سارة، سيعود لكِ خيرًا مضاعفًا.
الحياة لا تُستجدى… تُخترق.

عملتُ معلمة في مدرسة خاصة للثانوية. انسجمتُ مع الجيل الجديد، كأن عدن لم تغادرني يومًا. عاد أبي إلى الحياة حين رآني أستعيد نفسي.
ثم جاء محمد.
ابن عدن، البارُّ بها. خريج حقوق، كلامه جميل، لكن فعله أصدق. أنقذني دون أن يشعرني أنني كنت غارقة. وعدني أن أكون سيدة الروح والمكان.
تزوجنا، لا كتعويض، بل كبداية حقيقية.
كأن قلبي لم ينبض قبلَه، وكأنني وُلدتُ من جديد.
عشنا الحب، والنجاح، والأمان، وجاءت طفلتي… عشرون عامًا من حياة كاملة.

ثم عاد الماضي، صدفة.
مراد، واقفًا في مدرستي، باحثًا عني منذ عام.
قال: لم أعرف حبًّا بعدك. حُرِمتُ الأبوة لأنني حرمتُك. سامحيني.
نظرتُ إليه بهدوء المنتصر على ألمه، وقلت:
لم تكن خسارتي… كنتَ تأجيلًا.
الله عوَّضني عن ظلمك بكل شيء.
ارحل، وانسَ. منذ خرجتُ من مدينتك، لم يمر اسمك بقلبي مرة واحدة.

غادرتُ عدن، وقلبي يتقطَّع من رقَّتها رغم قسوتي. علَّمتني أن بعض المدن لا نملكها… بل تترك فينا أثرها وتمضي.

أم سارة ليست امرأة واحدة؛
هي روحٌ عربيةٌ نقية، جسرٌ بين الحب والحياة والأمان، موجودةٌ في كل أرضٍ لا تزال تؤمن أن القلب، مهما انكسر، قادرٌ على النهوض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى