كتاب وشعراء

الرجل الذي وجده النص… زكريا شيخ أحمد / سوريا

دخلتُ الغرفة
وجدتُني على الطاولة
أكتب عن رجلٍ دخل الغرفة
فوجد نفسه يكتب.

تقدّمتُ خطوةً، فارتفعتُ سطراً
كلما اقتربتُ من جسدي الجالس،
ازداد الحبرُ سواداً
و ازداد الهواءُ خفةً
كأن الغرفة تنسى الجاذبية
كلما تذكرتني.

رفعتُ رأسي أو رفعه هو
فالتقت أعيننا في منتصف الفكرة.
قال دون أن يفتح فمه:
“تأخّرت.”

سألته :
“عن ماذا أكتب الآن؟”
فأشار إلى الباب.

التفتُّ، فوجدتُ باباً آخر
لم يكن هناك قبل لحظة.
على مقبضه اسمي،
و على اسمي خدشٌ قديم
لم أتذكر متى نزف.
فتحتُه.
دخلتُ الغرفة.

كانت الغرفة أوسع من الأولى،
لكن الطاولة أصغر،
و الكرسي واحد فقط.
عليه يجلس ظلّي
لا أنا.

الظلّ كان أثقل مني
و كان له صوت يشبه احتكاك الصفحات.
قال:
“أنت لست الكاتب
أنت الجملة التي يحذفها.”

شعرتُ بأن شيئاً يُمحى في صدري،
كأن ممحاةً شفافة تمرّ على أضلعي
و تترك البياض عارياً.

اقتربتُ من الطاولة.
كان النص أمامي قد تغيّر

دخلَ النصُّ الكاتبَ
فوجدَ الغرفةَ داخله،
و وجدَ الرجلَ فكرةً
تخاف أن تفكر.

مددتُ يدي لألمس الورق،
فاخترقت أصابعي الصفحة
كما تخترق الريحُ نافذةً مفتوحة.

خلف الورق كان بحر.
بحرٌ من كلماتٍ غير منطوقة،
تسبح فيه عيونٌ بلا وجوه،
و تطفو فيه ساعاتٌ بلا عقارب،
و تغرق فيه أسماءٌ لم تُمنح لأحد.

سمعتُ اسمي يُنادى
من جهةٍ لا جهة لها.
“اكتبنا.”

لم أعرف من المتكلم :
الكلمات؟
أم الساعات؟
أم الرجل الذي تركته في الغرفة الأولى؟

التفتُّ فلم أجد ظهري.

كنتُ مسطحاً ،
صفحةً بلا سماكة،
كائناً يُقرأ من جهةٍ واحدة.
حاولتُ أن أصرخ
فخرج من فمي عنوان.
حاولتُ أن أهرب
فصرتُ هامشاً .
و حين قررتُ أن أتوقّف،
انقلبتُ فاصلة.

في تلك اللحظة
عاد الصوت الأول:
“الدهشة ليست أن تجد نفسك في النص،
الدهشة أن يخرج النص منك.”

اهتزّت الغرفة.
تكسّرت الجدران إلى حروف
و تناثرت الحروف إلى نجوم،
و صارت النجومُ علاماتِ ترقيمٍ
تتدلّى من سقفٍ لا نهاية له.

رأيتُ نسخاً لا تُحصى مني
يدخلون غرفاً لا تُحصى،
و يجدون أنفسهم يكتبون
عن رجالٍ يدخلون غرفاً
ليجدوا أنفسهم يكتبون.

سلسلةٌ لا أول لها و لا آخر
منتصفٌ يتكرر إلى الأبد.

فهمتُ أخيراً:
لم أدخل الغرفة.

الغرفة هي التي دخلتني
منذ أول حرفٍ كتبته.
و أنا…
لستُ الرجل
و لا الكاتب
و لا الظل،

أنا الفجوة
بين سطرين
حين ينسى القارئ
أن يتنفس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى