كتاب وشعراء

على مائدة رمضان. اعتدال السقاف.


في حيٍّ قديمٍ من أحياء عدن، حيث تتشابك البيوت وتتناثر الأرواح بين الجدران، كانت مائدة رمضان أكثر من مجرد طعام… كانت ذاكرة حيّة، ومرآة للقلوب، ومسرحًا صغيرًا تُعرض عليه حكايات المحبة وصلة الرحم.

صوت الأذان ولمّة الأرواح
مع أول نداء للمغرب، كانت البيوت تستعد وكأنها تستقبل ضيفًا عزيزًا. في بيت آل السقاف، كانت الجدة “أم خالد” تضع آخر لمساتها على الشوربة، بينما تتصاعد رائحة السمن من طبق الفتّة، وتتناثر ضحكات الأطفال في أرجاء البيت. لم تكن المائدة مجرد أطباق، بل كانت قصصًا تُروى، وقلوبًا تُشفى، وأرواحًا تتلاقى بعد طول غياب.

الكرسي الفارغ
في زاوية المائدة، كان هناك كرسي فارغ. لم يكن نسيانًا، بل انتظارًا. كان مخصصًا للعم “سالم”، الذي اعتاد أن يأتي من القرية كل رمضان، يحمل معه تمرًا من نخيل أرضه، وحكايات عن المطر والزرع. غاب هذا العام، لكن الكرسي ظلّ شاهدًا على صلة الرحم التي لا تنقطع، حتى لو غاب الجسد.

طبق المحبة
كانت الجدة تصرّ على أن يُرسل طبق من كل صنف إلى الجيران، حتى أولئك الذين لا يعرفونهم جيدًا. تقول دائمًا:
“الطعام يُشبع البطن، لكن المشاركة تُشبع القلب.”

وكان الأطفال يتسابقون لحمل الصحون، يطرقون الأبواب، ويعودون بابتسامات لا تُشترى. كانت الأطباق تدور بين البيوت، كأنها رسائل حب تُكتب بلغة المذاق.

حكايات على المائدة
بعد الإفطار، لا ينفضّ المجلس. بل تبدأ الحكايات. يحكي الجد عن رمضان في زمن القناديل، حين كانت الكهرباء حلمًا، ويحكي الأب عن أول مرة صام فيها، وكيف كاد أن يُفطر قبل الأذان بدقيقة. وتضحك الأم وهي تروي كيف نسيت الملح في الكبسة ذات عام، فصار الحديث عنها أكثر من الحديث عن الطعام نفسه.

صلة لا تنقطع
في كل ليلة، كانت تُجرى مكالمة فيديو مع الأقارب في الخارج. يجتمع الجميع أمام الشاشة، يتبادلون الدعاء، ويُظهرون أطباقهم، وكأنهم على مائدة واحدة رغم المسافات. كانت التكنولوجيا جسرًا، لكن المحبة كانت الطريق.

العادات التي لا تموت
في كل ليلة، كانت الجدة تُشعل البخور بعد صلاة التراويح، وتضعه في زوايا البيت، وتقول:
“البيت الذي تُعطره النية الطيبة، لا يضيع.”

وكان الأطفال يشاركون في إعداد السحور، يقطعون الخبز، ويجهزون اللبن، ويضحكون وهم يتذوقون قبل الأذان، في مشهدٍ لا يخلو من العفوية والدفء.

النهاية التي لا تنتهي
حين انتهى رمضان، لم تنتهِ القصة. بقيت المائدة رمزًا، والكرسي الفارغ دعوة، والطبق المُرسل عهدًا. كانت “على مائدة رمضان” أكثر من لحظة… كانت حياة تُروى، وعادات تُحفظ، وصلة رحم لا تنكسر.
2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى