
بين فنجان القهوه وضجيج المنصات السرديه الأردنيه.
بعد ان شربت فنجان القهوه على السحور،
وكان الليل يميل الى السكون، والافكار اكثر صفاء من ضجيج النهار،
انطلقت فكرة الكتابه عن (السرديه الاردنيه)
فليس ما يتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي سرديه،
هناك من يكتب اليوم عن “السرديه الاردنيه” وكانها اسماء افراد، او تعداد عشائر، او استعراض وجوه وشخصيات.
غصت المواقع بالكلمه، لكن المعنى ما زال غائب عند كثيرين.
فالسرديه ليست قائمه اسماء، وليست صوره قديمه، وليست حكاية حاره او بطوله فرديه.
السرديه مفهوم علمي وفكري عميق، له جذوره في علم التاريخ وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا ودراسات الهويه.
ما معنى السرديه؟
السرديه في اصلها من علم (السرد) Narratology، وهو حقل معرفي تبلور في القرن العشرين مع مفكرين مثل رولان بارت وبول ريكور.
وهي ليست مجرد روايه للاحداث، بل هي (الاطار الذي تفهم من خلاله الاحداث).
السرديه هي القصه الكبرى التي تفسر من نحن، ومن اين جئنا، وكيف نفهم حاضرنا، والى اين نتجه.
هي بناء تراكمي يصوغ الهويه الجمعيه، ويمنح المجتمع شعور بالاستمراريه عبر الزمن.
المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل في مدرسة الحوليات لم ينظر الى التاريخ كسلسله بطولات افراد، بل كحركه طويله المدى تشمل الجغرافيا والاقتصاد والثقافه والبنيه الاجتماعيه.
وهذا هو جوهر السرديه:
ليست لحظه، بل مسار.
ليست شخص، بل حضاره.
السرديه في علم الاجتماع
في علم الاجتماع الحديث، تحدث بندكت اندرسون عن مفهوم (الجماعات المتخيله) مؤكد ان الامم تتشكل عبر سرديات مشتركه تخلق شعور بالانتماء.
الدوله ليست مجرد حدود جغرافيه، بل قصه مشتركه يتبناها الناس.
كما ان عالم الاجتماع موريس هالبفاكس طرح مفهوم (الذاكره الجمعيه)، حيث تتشكل الهويه عبر ذاكره يتشاركها المجتمع، لا عبر روايه فرديه مجتزه.
السرديه ليست تقطيع للواقع
السرديه الوطنيه لا تبنى بانتقاء اسماء من عشيره هنا او هناك، ولا بتضخيم دور شخص او اسره.
عندما تختزل السرديه في افراد، تتحول من مشروع وطني الى سرديات متوازيه متنافره.
السرديه الاردنيه – اذا اردناها حقيقيه – يجب ان تكتب عبر:
تاريخ الجغرافيا من الانباط الى الدوله الحديثه
تطور المجتمع من البداوه الى التحضر
التحولات الاقتصاديه والسياسيه
دور الاردن في محيطه الاقليمي
تطور مؤسساته العسكريه والمدنيه
مساهمات كل مكوناته بلا اقصاء ولا تضخيم
هي مسار حضاري متكامل، لا مشهد عاطفي عابر.
كيف تكتب السرديه علميا؟
بالاعتماد على الوثائق والارشيف والمصادر الاوليه.
بمقارنه الروايات المختلفه لا تبني روايه واحده مغلقه.
بفهم السياق الاقليمي والدولي.
بالتحليل لا التمجيد.
بالنظر للتاريخ كعمليه تطور لا كسلسله بطولات فرديه.
المؤرخ لا يكتب ليرضي، بل ليفسر.
والسرديه لا تخلق من فراغ، بل تبنى عبر تراكم طويل من الاحداث والتحولات.
السرديه مشروع دوله لا مشروع اشخاص
الدول التي صنعت سرديات قويه لم تفعل ذلك عبر تمجيد افراد فقط، بل عبر بناء روايه وطنيه جامعة تستند الى:
القانون،المؤسسه،التعليم،
الثقافه
والذاكره المشتركه.
السرديه الاردنيه ليست ابن لحاره، ولا صوت لعشيره، ولا ملك لاحد.
هي نتاج قرون من التحولات على هذه الارض.
من الانباط الى الفتح الاسلامي،
من العهد العثماني الى الثوره العربيه،
من تأسيس الاماره الى بناء الدوله الحديثه،
كل ذلك نسيج واحد، اذا قطع منه خيط اختل المعنى.
السرديه ليست شعار يرفع،
ولا منشور يكتب على عجل،
ولا بطوله تختزل في اسم.
السرديه هي وعي بالتاريخ،
وفهم لمسار الحضاره،
واحترام للتنوع داخل اطار وطني جامع.
فمن اراد ان يكتب عن السرديه الاردنيه،
فليكتبها كتاريخ دوله، لا كحكايه حاره.
وليعلم ان السرديه التي تبنى على الاجزاء، تسقط مع اول خلاف،
اما السرديه التي تبنى على الكل، فهي التي تبقى.
خربشات ((صائم )) صباحيه.