العلم رسالة والجسور ممتدة : فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي وقضية كوسوفا في الوعي الأزهري المعاصر
بقلم الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

المقدمة
في زمنٍ تتزاحم فيه القراءات السطحية للشخصيات العلمية، وتغيب فيه الرؤية الكلية التي تجمع بين الفكر والسلوك، وبين العلم والعمل، تبدو الحاجة ماسّة إلى إعادة قراءة النماذج الكبرى التي صنعت أثرًا ممتدًا في حياة الأمة، علميًا ودعويًا وإنسانيًا.
ومن بين هذه النماذج يبرز اسم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي(1358هـ – 1437هـ / 1939م – 2016م)، شيخ النحو والدعوة، وإمام الوسطية، وأحد أبرز أعلام الأزهر الشريف في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.
لا تقف أهمية هذه الشخصية عند حدود تخصصها الأكاديمي في علوم اللغة العربية، ولا عند قيادتها للمؤسسات الدعوية الكبرى، بل تتجاوز ذلك إلى كونها نموذجًا للعالم الرباني الذي جمع بين عمق التكوين اللغوي، ورحابة الأفق الفكري،
ووعي الواقع، والقدرة على التأثير في المجالين الثقافي والاجتماعي، بل وحتى في المجال السياسي والدبلوماسي غير المباشر من خلال صياغة خطاب إسلامي متزن يخاطب العالم بلغة العلم والحكمة.
ويأتي هذا المقال – في صيغته الموسَّعة – بوصفه دراسة تحليلية شاملة تتجاوز السرد التوثيقي للسيرة، لتقدم قراءة متعددة الأبعاد لشخصية الدكتور المهدي، من خلال:
• تتبع نشأته وتكوينه العلمي في رحاب الأزهر الشريف.
• تحليل سماته المنهجية والأسلوبية في الفكر والدعوة.
• استعراض تأثيره في المجالات الأكاديمية والثقافية والإعلامية.
• إبراز دوره في دعم قضايا الأمة، وفي مقدمتها قضايا البلقان وكوسوفا.
• تقديم قراءة نقدية لكتاب الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي حوله.
• تحليل أدبي لقصيدة الرثاء التي خلدت ذكراه، بوصفها وثيقة وفاء وتاريخًا شعريًا للعلاقة بين مصر وكوسوفا.
إن هذا العمل لا يهدف إلى تمجيد شخص بقدر ما يسعى إلى تقديم نموذج حضاري للعالم المسلم الذي يوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويجسد مفهوم “العلم رسالة”، ويبرهن أن الكلمة الصادقة قد تتجاوز الحدود الجغرافية، لتصنع جسورًا بين الشعوب، كما حدث في العلاقة العلمية والإنسانية التي ربطت بين مصر وكوسوفا عبر شخصية هذا الإمام الجليل.
ومن هنا، فإن المقال لا يقرأ الدكتور المهدي بوصفه شخصية فردية فحسب، بل بوصفه ظاهرة علمية وفكرية تمثل امتدادًا لمدرسة أزهرية عريقة، ومشروعًا دعويًا مؤسسيًا، وتجربة إنسانية عميقة تستحق التأمل والتحليل.
النشأة والتكوين: جذور راسخة في العلم والدين
وُلِد فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار محمد المهدي في الثالث عشر من أبريل عام 1939م، بقرية تصفا التابعة لمركز كفر شكر بمحافظة القليوبية. نشأ في بيئة دينية متواضعة، حريصة على تحفيظ القرآن الكريم وتأصيل القيم الإسلامية في نفوس الأبناء. وقد حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، مما صقل ملكته اللغوية وأعدّه لتلقي العلوم الشرعية. كانت هذه النشأة الدينية الصارمة هي النواة الأولى لشخصيته العلمية المتزنة، التي جمعت بين سلامة الفطرة وعمق الدراسة.
التحق فضيلته بمعهد الزقازيق الديني، حيث حصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية عام 1955م، ثم الثانوية الأزهرية عام 1960م. انتقل بعدها إلى القاهرة للالتحاق بجامعة الأزهر، ووقع اختياره على كلية اللغة العربية، التي كانت وما زتال حصن اللغة وحامية تراثها.
وفي عام 1965م، نال شهادة العالية (الليسانس) بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف. لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل واصل دراساته العليا ليحصل على شهادة التخصص (الماجستير) في اللغويات عام 1971م عن رسالة عنوانها “أساليب التوكيد في النحو العربي”،
ثم نال شهادة العالمية (الدكتوراه) عام 1976م بمرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبع الرسالة وتبادلها مع الجامعات الأخرى، وكانت رسالته عن “أسماء المعاني: صيغها وعملها وأنواعها واستعمالاتها في القرآن الكريم” .
السمات الأسلوبية في فكر ومنهج الدكتور المهدي
تميز الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي بمنهجية فكرية وأسلوبية فريدة، جعلت منه علامة فارقة في مسيرة الفكر الإسلامي المعاصر، ويمكن إجمال أبرز هذه السمات في النقاط التالية:
1. التكامل بين علوم الآلة وعلوم الغاية: كان فضيلته ينطلق في بحوثه الدعوية والفكرية من أرضية صلبة من التمكن في علوم اللغة العربية (النحو، والصرف، والبلاغة). فلم يكن النحو عنده غاية في حد ذاته، بل كان أداة لفهم مراد الله تعالى من كتابه، وفهم سنة نبيه ﷺ. هذا التجسير بين علوم الآلة وعلوم المقاصد أكسب كتاباته وأبحاثه عمقًا ودقة،
فكان يقدم الفكرة الشرعية في قالب لغوي سليم، ويؤصل للمسائل الدعوية من خلال تحليل لغوي دقيق للنص القرآني والحديث النبوي. ويظهر ذلك جليًا في عناوين أبحاثه التي تجمع بين اللغة والقرآن، مثل: “أثر الدرس اللغوي في فهم النص الشرعي” و”تقعيد النحو بين الشعر العربي والنص القرآني” .
2. الجمع بين الأصالة والمعاصرة: استطاع الدكتور المهدي أن يوفق بين الأصالة والالتزام بالمنهج السلفي القويم، وبين مواكبة قضايا العصر ومستجداته. كان يكتب في قضايا معاصرة مثل: حقوق الإنسان، والإيدز، ومشكلات الأسرة، ولكنه كان يعالجها من منظور إسلامي أصيل، مستندًا إلى الكتاب والسنة، مع فهم عميق للواقع المعاصر. كتابه “حقوق الإنسان في شريعة الإسلام” و “الرؤية الإسلامية في مواجهة مرض الإيدز” خير شاهد على هذا المنهج .
3. الوضوح والسهولة في الطرح مع العمق العلمي: استطاع فضيلته بأسلوبه الميسر أن يقرّب العلوم الصعبة، خاصة النحو والصرف، إلى أذهان الدارسين والعامة. فكانت سلسلتاه الشهيرتان “النحو الميسر” و”الصرف الميسر” خير دليل على قدرته على تبسيط المعقد دون إخلال بالعمق العلمي أو الدقة المنهجية. كما تميز خطابه الدعوي والإعلامي بالوضوح والسلاسة، مما جعله قريبًا من قلوب الناس وعقولهم .
4. الشمولية والنظرة الكلية: لم يكن الدكتور المهدي ينظر إلى القضايا الفكرية والدعوية نظرة تجزيئية، بل كان يمتلك رؤية كلية شاملة. تجلى ذلك في إدارته للجمعية الشرعية، حيث طور معاهد إعداد الدعاة، وأشرف على إصدار مجلة “التبيان”،
ووسع نشاط الجمعية داخل مصر وخارجها، مما يعكس رؤية مؤسسية متكاملة للعمل الدعوي لا تقتصر على الوعظ والإرشاد فحسب، بل تمتد للتأصيل العلمي والتكوين المنهجي والانتشار العالمي .
التأثير متعدد الأوجه في الحياة الفكرية والاجتماعية
لقد كان لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي تأثير بالغ وعميق في عدة مجالات، تجاوزت حدود الجامعة لتمتد إلى المجتمع بأسره، بل والعالم الإسلامي.
• في المجال العلمي والأكاديمي: أثرى فضيلته المكتبة العربية والإسلامية بالعشرات من المؤلفات القيمة، ما بين بحوث محكمة وكتب متخصصة في النحو والصرف والدراسات القرآنية والدعوة. وقد تخرج على يديه الآلاف من الطلاب في مصر والسعودية،
وتأثر بهم في منهجيته العلمية الرصينة. كما أن مشاركته في العديد من المؤتمرات العلمية العالمية، من ماليزيا إلى تركيا، ومن أمريكا إلى طاجكستان، ساهمت في نشر الفكر الإسلامي الوسطي المستنير، ومد جسور العلم والتعاون بين العلماء في مختلف أنحاء العالم .
• في المجال الدعوي والمؤسسي: كان لفضيلته دور ريادي في قيادة المؤسسات الدعوية الكبرى، خاصة الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة، حيث تولى إمامتها ورئاستها، وطور معاهد إعداد الدعاة، وأشرف على مجلة “التبيان”، مما جعل الجمعية منارة للدعوة الوسطية وناشرة للعلم الشرعي الصحيح. كما كان عضوا مؤسسا في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مما أتاح له المشاركة في صياغة رؤى علماء الأمة لقضاياها الكبرى .
• في المجال الثقافي والإعلامي: كان الدكتور المهدي حضورًا إعلاميًا بارزًا، سواء في الإذاعة أو التلفزيون، حيث شارك في العديد من البرامج الدينية، وكان له أكثر من 2000 خطبة منبرية مسجلة، وتقدمة تلاوة قرآنية تجاوزت 400 مرة .
لقد استطاع من خلال هذه الوسائط أن يصل إلى ملايين المسلمين، يقدم لهم الفهم الصحيح للإسلام، ويجيب عن أسئلتهم الحائرة، ويصحح المفاهيم الخاطئة. كما أن كتاباته الصحفية المنتظمة في كبرى الصحف والمجلات المصرية والعربية شكلت رافدًا مهمًا من روافد الثقافة الإسلامية المعاصرة.
• في المجال السياسي والدبلوماسي: إن كان فضيلته لم يشغل منصبًا سياسيًا أو دبلوماسيًا رسميًا، إلا أن تأثيره في هذا المجال كان غير مباشر لكنه عميق. من خلال عضويته في لجنة تقنين الشريعة الإسلامية بمجلس الشعب المصري عام 1978م، ساهم في تقديم الخبرة الشرعية اللازمة لتقريب القوانين الوضعية من مبادئ الشريعة الإسلامية .
كما أن علاقاته الواسعة مع العلماء والقادة في العالم الإسلامي، من خلال مشاركاته المتعددة، جعلت منه حلقة وصل مهمة ورجل حكمة يُستشار في القضايا المصيرية. اختيار الإمام الأكبر له كعضو مؤسس في هيئة كبار علماء الأزهر عام 2012م، وهي الهيئة التي تضم كبار العلماء والمفكرين، يعكس ثقة المؤسسة الرسمية في رجاحة عقله ووسطية فكره، وهو ما أعطى لفتاواه ومواقفه ثقلاً سياسيًا ودينيًا في آن واحد .
اللقاء الشخصي: شهادة حية على فضل العلم والتواضع
لقد كان من حسن حظي أن ألتقي بهذا الإمام الجليل عن قرب، فلم يكن مجرد اسم أسمع به أو مؤلفات أقرؤها. كنت قد سمعت كثيراً عن فضيلة الدكتور محمد المختار المهدي، وكان الجميع يصفونه بأبلغ أوصاف الثناء، تقديراً لجهوده في ميادين العلم والدعوة.
وحين اقتربت منه والتقيت به لأول مرة، وعرفته بنفسي وأخبرته بأحوال المسلمين في كوسوفا والبوسنة والبلقان، وجدته أسمى مما وُصف به. فإذا به -إضافة إلى علمه الغزير- رجل زاهد، عفيف، تقي، نقي، سخيّ الكف. أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً. استمع إليّ بإصغاء العالم المهتم، وتفاعل مع قضايا المسلمين في البلقان وكأنها قضيته الأولى، وتبادلنا الآراء والأفكار بحكمة وفكر مستنير.
وقد أفادني كثيراً في الموضوعات التي دار الحديث حولها، وعندما تكررت اللقاءات بيننا لم يتوان لحظة واحدة عن مساعدتي ودراسة قضايانا بجد واجتهاد منقطع النظير. لمست فيه -بحق- الروح العلمية والأخلاق السامية التي تركت في نفسي أثراً بالغاً في التعلق به من أول لقاء، إذ إنه من القلة الذين وهبهم الله من علمه الواسع وفكره المستنير.
ولعل من أبلغ ما رأيت من دلائل موسوعيته، زيارتي لمكتبته العلمية الثرية التي تزخر بأنفس الكتب في شتى مجالات التراث الإسلامي.
كانت تلك المكتبة مرآة صادقة لعقلية نادرة؛ فرأسه حقاً عبارة عن مكتبة زاخرة بالمعلومات القيمة في أي مجال يُطرح للنقاش، مما جعلني أدرك عمق تفهمه لقضايا العالم الإسلامي، ومعايشته لها روحاً وعقلاً.
وقد توطدت هذه العلاقة على مر السنوات، وازدادت متانةً وعمقًا، رغم ثقل المسؤوليات التي اضطلع بها فضيلته إمامًا لأهل السنة ورئيسًا للجمعية الشرعية. وكنت ألمس منه دائمًا ذلك الحرص على دعم قضايا المسلمين في البلقان، والعمل على مد جسور التواصل بين علماء الأزهر وشعوب المنطقة.
واليوم، وبعد أن انتقل إلى رحمة الله تعالى، لا يسعني إلا أن أتذكر تلك الأيام الخوالي، بتلك المشاعر الصادقة وذلك العطاء العلمي والدعوي الكبير. رحم الله فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي رحمة واسعة، ونزله منازل الأبرار والشهداء، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير ما جزى عالمًا نافعًا وداعية مخلصًا. لقد ترك في نفسي أثرًا لا يمحى، وسيبقى علمه وفكره نبراسًا يضيء الطريق للأجيال القادمة.
لقاء العلم والعاطفة: تحليل نقدي لكتاب “فضيلة الشيخ/ محمد المختار محمد المهدي ودوره في خدمة الدعوة الإسلامية” للأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
مقدمة التحليل
يمثل كتاب “فضيلة الشيخ/ محمد المختار محمد المهدي ودوره في خدمة الدعوة الإسلامية” للأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي نموذجًا فريدًا في أدب التراجم والسير الذاتية. فهو ليس مجرد سرد أكاديمي جاف لمسيرة عالم جليل،
بل هو شهادة حية، ووثيقة وفاء، وصورة نابضة بالحب والتقدير من تلميذ وصديق لأستاذه وشيخه. يجمع الكتاب بين دقة المنهج العلمي في توثيق حياة الدكتور محمد المختار المهدي وإسهاماته، وبين دفء المشاعر الإنسانية وصدق التجربة الشخصية للمؤلف.
هذه الثنائية (الموضوعية والذاتية) هي التي تمنح الكتاب قيمته الاستثنائية وتجعل منه عملاً أدبيًا نقديًا متميزًا، فضلاً عن كونه مرجعًا تاريخيًا وفكريًا مهمًا.
أبرز السمات الأسلوبية في الكتاب
1. المزج بين التقريرية والإنشائية: يمزج الدكتور بكر إسماعيل بين الأسلوب التقريري الجاف، الذي يعرض الحقائق والمناصب والمؤلفات (كالسيرة الذاتية وقوائم الكتب)، والأسلوب الإنشائي العاطفي، الذي يفيض بمشاعر الإعجاب والتقدير والمحبة. هذا المزج يخلق إيقاعًا ممتعًا للقارئ، حيث ينتقل من المعلومة الدقيقة إلى المشاعر الصادقة، مما يجعل قراءة الكتاب تجربة معرفية ووجدانية في آن واحد.
2. التعددية الصوتية: لا يقتصر الكتاب على صوت المؤلف وحده، بل يفتح مساحات لأصوات أخرى لتؤكد مكانة الدكتور المهدي. يأتي في المقدمة صوت الأستاذ الدكتور أحمد علي طه ريان، الذي يقدم شهادة موضوعية عن شخصية المهدي العلمية والإدارية، ويضيف تفاصيل دقيقة عن دوره في قضايا الأمة. هذا التنوع يضفي مصداقية أكبر على المحتوى ويقدم رؤية متكاملة من زوايا متعددة.
3. الاعتماد على الوثائق والشواهد: يحرص المؤلف على توثيق كل جزئية في حياة المهدي، من تواريخ ومؤهلات ومناصب ومؤلفات. كما يستشهد بنماذج طويلة من كتاباته ومقالاته وأحاديثه الإذاعية وتفسيراته للقرآن. هذا الأسلوب التوثيقي يحول الكتاب إلى موسوعة معرفية عن الرجل، ويؤهل الباحثين للاعتماد عليه كمصدر أساسي. وتعد إضافة فهرس تفصيلي للكتاب دليلاً على هذه المنهجية العلمية الدقيقة.
4. اللغة الرصينة المطعمة بالعاطفة: اللغة العربية التي يستخدمها الكوسوفي هي لغة أكاديمية سليمة، تخلو من الأخطاء اللغوية الواضحة، وتعتمد على التراكيب العربية الفصيحة. ومع ذلك، فهي ليست لغة باردة؛ إذ تخترقها كلمات وعبارات تحمل دفئًا عاطفيًا كبيرًا، خاصة في الأجزاء التي يتحدث فيها عن لقاءاته الشخصية بالمهدي، مثل: “ألفيته زاهداً، عفيفاً، تقياً”، و”تركت في نفسي أثراً بالغاً في التعلق به”.
5. الاستطراد كأسلوب للإثراء: يميل المؤلف إلى الاستطراد في بعض الأحيان، خاصة عندما يعرض نماذج من كتابات المهدي أو فتاواه. هذا الاستطراد، وإن كان قد يطيل أحيانًا، إلا أنه يخدم الهدف الرئيسي للكتاب، وهو إظهار غنى فكر المهدي وتعدد مجالات إبداعه. إنه يريد للقارئ أن يقرأ للمهدي بنفسه، ويتذوق أسلوبه، ويتعمق في رؤيته.
تحليل التقديم والمقدمة: بناء الثقة وتأصيل القيمة
يشكل قسم التقديم (للأستاذ الدكتور أحمد علي طه ريان) والمقدمة (للمؤلف) مدخلاً مهمًا لفهم منهجية الكتاب وأهدافه.
• التقديم: يقوم الدكتور ريان بدور “الشاهد العدل” الذي يزكي شخصية المهدي والمؤلف معًا. يؤكد على أن المهدي هو “العنوان على العالم الجامع لكل معاني المعرفة الشرعية”، وهي العبارة التي ستتكرر كفكرة محورية في الكتاب. ثم يضيف من عنده “مجموعة من الحقائق” كان شاهد عيان عليها،
فيذكر دوره في “وثيقة مكة”، ودوره الرائد في “جبهة علماء الأزهر”، وجهده المتواصل في “الجمعية الشرعية”. هذا التقديم يضفي على الكتاب مصداقية عالية من البداية، ويؤكد أن ما سيأتي ليس مجرد كلام مرسل، بل هو شهادة من عالم معاصر ومشارك في الأحداث.
• المقدمة: يضع الدكتور بكر إسماعيل يده على لب الموضوع منذ السطر الأول: أهمية دراسة الفكر الإسلامي وأعلامه في مواجهة التيارات الفكرية المعاصرة. يقدم المهدي كنموذج للعالم المفكر والداعية الذي يمثل “رمزاً للعلم والفكر”،
و”علماً من أعلام الأزهر الشريف”، و”رمزاً من رموز الفكر الإسلامي”، بل ويعتبره من المجددين. الهدف من الكتاب، كما يصرح، هو دراسة هذه الشخصية “لعل … يضيف إلى رصيدنا في هذا المجال جديداً يساعد على فتح أبواب الحوار الفكري الجاد”. هنا، يضع المؤلف كتابه في إطار مشروع فكري أكبر، وهو إحياء التراث الإسلامي وتقديمه كمنهج حياة.
تقييم أثر الكتاب في المجالات المختلفة
1. في المجال الفكري والأدبي: يسهم الكتاب في ترسيخ منهج “إسلامية المعرفة” من خلال تقديمه نموذجًا تطبيقيًا له. فالدكتور المهدي يجسد في شخصه وفي كتاباته الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين علوم الآلة (اللغة) وعلوم المقاصد (الدين). يعيد الكتاب الاعتبار لشخصية العالم الموسوعي الذي لم يعد موجودًا بكثرة في عصر التخصص الدقيق. كما يقدم، من خلال نماذج كتابات المهدي، نموذجًا للأدب الإسلامي الهادف والملتزم بقضايا الأمة، بعيدًا عن السطحية أو التعقيد.
2. في المجال العلمي والثقافي: يعد الكتاب مصدرًا غنيًا للباحثين في مجالات اللغة العربية والدعوة الإسلامية والفكر الإسلامي الحديث. قوائم البحوث والكتب الدعوية والمقالات الصحفية، بالإضافة إلى النماذج المطولة من تفاسير المهدي وفتاواه، تقدم مادة علمية خام يمكن البناء عليها في دراسات مستقبلية. كما يسلط الضوء على جهود المهدي في تدريس مواد متنوعة في جامعات مرموقة، مما يؤكد على تنوع ثقافته وعمق تأثيره الأكاديمي.
3. في المجال السياسي والدبلوماسي غير المباشر: يبرز الكتاب الدور الذي لعبه علماء الأزهر، وفي مقدمتهم الدكتور المهدي، في الأحداث السياسية الكبرى، مثل “وثيقة مكة” للرد على فتوى شهادات الاستثمار. هذا يوضح كيف كان للعلماء تأثير في صياغة السياسات الاقتصادية والمالية من منظور شرعي.
كما أن عضوية المهدي في “لجنة تقنين الشريعة الإسلامية بمجلس الشعب” تظهر دوره الاستشاري في العملية التشريعية. أما على الصعيد الدبلوماسي، فإن العلاقة التي أسسها المؤلف مع المهدي، بصفته ممثلاً لكوسوفا،
وكيف استمع المهدي لقضايا البلقان وتفاعل معها، تُظهر نموذجًا للدبلوماسية الشعبية والدينية التي تعزز الروابط بين الشعوب الإسلامية خارج الإطار الرسمي. إن اهتمام المهدي بقضايا المسلمين في كوسوفا والبوسنة، وتحويله هذه القضايا إلى محاضرات ودروس ومنابر، هو عمل دبلوماسي بامتياز، يساهم في تعبئة الرأي العام العالمي ونصرة المستضعفين.
في النهاية، يبقى كتاب الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي أكثر من مجرد سيرة ذاتية. إنه عمل نقدي وأدبي شامل يرسم لوحة متكاملة لأحد أعلام الفكر الإسلامي في القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. من خلال منهجه التوثيقي الدقيق، وأسلوبه العاطفي الرقيق، وشهاداته المتعددة،
ينجح المؤلف في إحياء تراث الدكتور محمد المختار المهدي، وتقديمه للأجيال الجديدة كنموذج يُحتذى به في الجمع بين العلم والعمل، وبين الفكر والدعوة، وبين الأصالة والمعاصرة. الكتاب هو جسر يصل بين الماضي والحاضر، وبين الشرق والغرب (كوسوفا ومصر)، وبين العلم والعاطفة، مما يجعله عملاً فريدًا في المكتبة العربية.
لقاء العلم والعاطفة: شهادات حية من الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في رثاء أستاذه
تمثل كتابات الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي عن فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي نموذجًا فريدًا للجمع بين الموضوعية الأكاديمية والمشاعر الجياشة. ففي كتابه الذي خصصه للتعريف بشيخه، وفي ثنايا مؤلفاته الأخرى،
ترك لنا الدكتور الكوسوفي شهادات صادقة تُجسد عمق العلاقة التي ربطته بهذا الإمام الجليل، وتُبرز مكانته العلمية والإنسانية. هذه الاقتباسات ليست مجرد كلمات، بل هي وثائق وفاء وتقدير من تلميذ لأستاذه، ومن صديق لصديق عمره.
١. شهادة في التعريف بدور المهدي الفكري والدعوي
في كتابه عن الشيخ المهدي، يضع الدكتور بكر إسماعيل يده على جوهر شخصيته، فيصفه بأنه “رمز للعلم والفكر” و”علم من أعلام الأزهر الشريف”. ويؤكد على منهجه التجديدي قائلاً:
> “بل يعتبر من الذين اتجهوا بحق نحو تجديد الفكر الإسلامي.”
ويشرح سبب اختياره لدراسة شخصية المهدي بالقول:
> “لعل دراستنا لشخصيته وبيان دوره في الفكر وأثره الفعال نحو خدمة قضايا العالم الإسلامي يضيف إلى رصيدنا في هذا المجال جديداً يساعد على فتح أبواب الحوار الفكري الجاد حول قضايا لا تزال في حاجة ماسة إلى الإثراء والتناول من زوايا مختلفة.”
٢. شهادة في وصف سعة علمه وتواضعه
من أبلغ ما كتبه الدكتور الكوسوفي عن شيخه، تلك العبارة التي تجمع بين الإعجاب بسعة اطلاعه وزهده وتواضعه الجم. يقول:
> “وحين اقتربت منه وعرفته أكثر والتقيت به ألفيته زاهداً، عفيفاً، تقياً، نقياً، سخي الكف، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً.”
ويضيف واصفًا أثر هذه الشخصية فيه:
> “لمست فيه -بحق- الروح العلمية والأخلاق السامية التي تركت في نفسي أثراً بالغاً في التعلق به بمجرد الاتصال، إذ إنه من القلة الذين وهبهم الله من علمه الواسع وفكره المستنير.”
٣. شهادة عن تأثيره في قضايا البلقان ودعمه لكوسوفا
لم يقتصر دور الشيخ المهدي على قضايا المسلمين في المشرق، بل تعداه ليشمل هموم البلقان. يشهد الدكتور الكوسوفي على ذلك بقوله:
> “وعندما التقيت به، وعرفته بنفسي، فأحسن ضيافتي وشرحت له الوضع في كوسوفا والبوسنة وتبادلنا الآراء والأفكار وقدمت له بعض المعلومات عن المسلمين في منطقة البلقان.”
ويؤكد أن هذه القضايا وجدت صدى عميقًا في نفس الشيخ، الذي لم يتوانَ لحظة عن تقديم الدعم:
> “وعندما تكررت اللقاءات بيننا لم يتوان لحظة واحدة عن مساعدتنا ودراسة قضايانا بجد واجتهاد منقطع النظير.”
٤. شهادة خالدة بعد الرحيل
بعد رحيل الشيخ المهدي بعامين، حرص الدكتور الكوسوفي على تخليد ذكراه في مؤلفاته، فشارك في موسوعات وكتب جماعية. وفي إحدى مشاركاته الأدبية، يعود ليؤكد على الوشائج التي تربطه بعلماء الأزهر، في إشارة ضمنية إلى ما زرعه حب الشيخ المهدي في نفسه من تقدير لهذا الصرح العلمي.
ويشهد على ذلك ما ورد في كتاب “العرّاب: ذاكرة الحرف وضمير المعنى” الذي صدر عام 2021، حيث ضمّن ثلة من الأدباء والنقاد شهاداتهم، وكان من بينهم الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي .
إن هذه الاقتباسات ليست مجرد إضافات تزيينية للمقال، بل هي لبّه وروحه. فهي تنقل القارئ من دائرة السرد البارد للحقائق إلى دائرة المشاعر الحية والتجارب الإنسانية الصادقة. إنها تجسد كيف يمكن للعلم أن يكون جسرًا للمحبة، وكيف يمكن للعالم أن يترك أثرًا لا يمحى في تلاميذه، ليس فقط بما علمهم إياه من علوم، ولكن بما غرسه فيهم من قيم وأخلاق واهتمام بقضايا أمتهم.
وفاء من كوسوفا: قصيدة تأبين وتحليل أدبي للأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في رثاء فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي
تمهيد: حين يصير الوداع قصيدة
في الأدب العربي، تظل مراثي العلماء والأصدقاء من أصدق أبواب الشعر وأكثرها تأثيرًا؛ لأنها تنبع من وجع حقيقي، وذاكرة ملأى بالمواقف، وقلب يعتصره الحنين. ومن هذا المعين نقرأ ما خطه الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، سفير كوسوفا وممثلها الثقافي في مصر، تخليدًا لذكرى صديق عمره ورفيق دربه في خدمة قضايا الأمة، فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي.
لم تكن العلاقة بين الرجلين علاقة عابرة، بل كانت شراكة علمية وثقافية وإنسانية امتدت لسنوات، جمعتهما قضية واحدة هي كوسوفا، ورباط واحد هو حب الأزهر الشريف. ولأن الوفاء سمة العلماء، لم يترك الدكتور الكوسوفي صديقه يرحل دون أن يسجل اسمه بحروف من نور في موسوعاته وكتبه،
ودون أن يخط بحبر قلبه قصيدة تُخلد ذكراه. هذه القصيدة، التي نقدمها هنا مع تحليل أدبي متكامل، تمثل نموذجًا للشعر الملحمي التكريمي، وتوثق لحظة تاريخية فارقة في العلاقات المصرية – البلقانية.
القصيدة
إلى روح العالم الجليل فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي (إمام أهل السنة، الرئيس العام للجمعية الشرعية)
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته:
يا راكبًا من كوسوفا إلى مصرِ *** هنيئًا للقاء اليوم يا قمرِ
قد جئتَ تحمل همَّ الشعب في ألمٍ *** والقلب يخفق بين النار والذُخرِ
فاستقبلتكَ عيونُ النيل صافيةً *** والنيل يروي حكايا المجد والعطرِ
شيخُ الأزاهر في المهدي قد وقفا *** يستقبل الضيف من أرض البلقانِ
يا شيخَنا يا إمامَ السنة انطلقتْ *** في كوسوفا خطاكَ النور في السحرِ
كم من محاضرةٍ ألقيتَ ناصعةً *** فيها بيانُك للأحفاد كالمطرِ
وكم كتبتَ عن البوسنا وأهليها *** وكوسوفا تنادي أيها البطلِ
القدس تبكي وفلسطين صارخةٌ *** وأنت تسمع وقع الجرح في هدَرِ
صحوتَ فينا ضميرَ العصر مرتفعًا *** والليل يخبو وأنت النور في القمرِ
ما زلتَ في الجمعيات الشريعة في *** دعوةٍ إلى الله والإحسان والعملِ
لغةُ الضادِ في المهدي قد سطعتْ *** نورًا يضيء دروب الفكر والفكرِ
النحوُ والصرفُ والبلقان قد عشقوا *** هذا البيان وهذا الفيض يا وطني
كم من طلابٍ على يديك تخرَّجوا *** في أرض مكة أو في طيبة الأُخَرِ
وكم من الليل أحييتَ الدجى وقرا *** والكون يصغي لتفسير من الصوَرِ
في كل حرفٍ من القرآن معجزة *** وأنت تشرح آياتٍ من السورِ
يا أيها العالم الرباني في زمن *** كثرت فيه الأباطيلُ والخُطَبِ
ثبتَّ في وجه تيارات مضللة *** والجمعُ الشرعي يسعى كالجبل العُصُلِ
هيئةُ العلماء الكبار تشهدُ أنْ *** قد كنتَ فيها نعم الحصن والحرسِ
المجمع العلمي في البحث يذكرنا *** بجهدك المتصل الوضاح كالشهبِ
قد نلت جائزةَ الملك الذي سطعت *** فيصل وأسماها من الدررِ
ما زلتَ في الذكر حيًا يا فقيدَ دُعى *** رغمَ الفراق ورغم البعد والسفرِ
كوسوفا تذكر المهدي في كرمٍ *** ومصر تروي غرامَ العلم والأدبِ
يا من رحلتَ إلى الفردوس منطلقًا *** والناسُ حولك تبكي أحرَّ سُحُبِ
أسكنك اللهُ في الفردوس منزلةً *** وجمعنا بك في دار من الذهبِ
يا صاحبي في طريق المجد متحدًا *** نحو العلا والهدى والإرث والنسبِ
وداعُنا ليس نسيانًا لذكركم *** لكنه مثلما الأطيار في الهَرَبِ
سنظل نمشي على دربٍ خططت لنا *** والعلم يبقى وذكراك بلا عطبِ
فارقْتَنا جسدًا والروح باقية *** في كل قلبٍ ووجدانٍ وفي الكتبِ
رحم الإله إمامًا كان مرشدنا *** للمجد والعز والإحسان والأدبِ
صلى الإله على المختار سيدنا *** ما هبت الريح أو ناحت على عَذَبِ
التحليل الأدبي والنقدي للقصيدة
١. البناء الفني والمعماري
تأتي القصيدة على البحر البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن)، وهو من أكثر البحور الشعرية انسجامًا مع أغراض الرثاء والفخر، لما فيه من موسيقى هادئة تميل إلى الوقار والجلال. اعتماد هذا البحر يعكس رغبة الشاعر في التعبير عن مشاعر الحزن الممزوجة بالفخر، وليس الانفعال العاطفي الحاد.
الوحدة العضوية: تمتاز القصيدة بترابط موضوعي واضح، حيث تنتقل من مشهد اللقاء الأول (الاستهلال) إلى استعراض مناقب المرثي (العرض)، ثم إلى مشهد الرحيل والتأبين (الخاتمة). هذا البناء الثلاثي يعكس تطور العلاقة بين الشاعر والمرثي، من التعارف إلى التعاون إلى الفراق.
الاستهلال: يبدأ الشاعر بنداء الراحل (“يا راكبًا من كوسوفا إلى مصر”) في استعارة تصويرية تجعل من الراحل مسافرًا أبديًا، وكأن القصيدة برقية وداع لا تصل إلا بعد الرحيل. هذا الاستهلال يحمل دلالة مكانية عميقة (كوسوفا – مصر)، وهي المسافة الجغرافية التي تجاوزتها العلاقة الإنسانية.
٢. الصور البلاغية والانزياحات اللغوية
• “عيون النيل صافية”: توظيف مجازي يجعل النيل كائنًا حيًا يستقبل الضيف. النيل هنا يرمز إلى مصر والحضارة المصرية، وصِفته بالصفاء تعكس نقاء المشاعر والترحاب.
• “خطاك النور في السحر”: استعارة مكنية تجعل الخطوات مصدرًا للضياء، والسحر (وقت الفجر) يرمز إلى بداية النهضة والأمل. الصورة تحيل إلى أن الشيخ كان مبشرًا بخير في كوسوفا.
• “والليل يخبو وأنت النور في القمر”: مفارقة بلاغية لافتة؛ فالقمر نفسه مصدر نور، فكيف يكون المرثي نورًا في القمر؟ هذا التضاد يهدف إلى رفع مكانة الشيخ إلى ما فوق المستوى البشري العادي، فهو مصدر النور حتى للأنوار.
• “مثلما الأطيار في الهرب”: تشبيه الوداع بهروب الطيور، وهي صورة تحمل الحزن والشوق معًا. الطيور تهرب لكنها تعود، والوداع هنا ليس نسيانًا بل غيابًا مؤقتًا.
٣. المحاور الموضوعية
تتقاطع في القصيدة ثلاثة محاور رئيسة:
أولًا: محور العلاقة الشخصية
يبرز هذا المحور في الأبيات التي تتحدث عن اللقاء الأول والتعاون بين الشاعر والمرثي (“يا صاحبي في طريق المجد متحدًا”). استخدام كلمة “صاحبي” يحول القصيدة من تأبين رسمي إلى مرثية شخصية، مما يمنحها دفئًا عاطفيًا.
ثانيًا: محور قضية كوسوفا والبلقان
يتجلى هذا في إشارات متعددة: “هم الشعب في ألم”، “كوسوفا تنادي”، “كتبت عن البوسنا وأهليها”. الشاعر لا ينسى أن الشيخ المهدي كان من أوائل العلماء الذين التفوا حول قضية البلقان، وحولوها من قضية محلية إلى قضية إسلامية كبرى. هذا المحور يمثل تميز القصيدة، فهي ليست مرثية عادية، بل توثيق لموقف تاريخي.
ثالثًا: محور المناقب العلمية والدعوية
يستعرض الشاعر جوانب متعددة من شخصية المهدي: الإمامة في السنة، رئاسة الجمعية الشرعية، الخبرة اللغوية (“النحو والصرف”)، التفسير والدراسات القرآنية، العضوية في المجامع العلمية، وجائزة الملك فيصل. هذا التنوع يعكس موسوعية الرجل، ويجعل من القصيدة سيرة ذاتية شعرية مختزلة.
٤. التناص والتضمين
تظهر في القصيدة إشارات تناصية مع التراث الشعري العربي:
• “يا راكبًا من كوسوفا إلى مصر”: تحيل إلى مطالع القصائد القديمة التي تبدأ بنداء الراكب (“يا راكبًا إما عرضت فبلغن”)، مما يضفي على النص صفة الكلاسيكية والأصالة.
• “ما هبت الريح أو ناحت على عذب”: ختام تقليدي بالقسم بالرياح والحمام، وهو من تراث الشعر الجاهلي والأموي، ويؤكد استمرارية النمط الشعري العربي عبر العصور.
٥. الإيقاع الداخلي
إلى جانب الإيقاع الخارجي (البحر والقافية)، تمتاز القصيدة بإيقاع داخلي ناتج عن:
• التكرار: تكرار حروف المد والنداء يخلق جوًا من الاسترسال العاطفي.
• الطباق: مثل “النار والذخر”، “الجسد والروح”، مما يعكس حالة الصراع بين الألم والفخر، بين الفراق والبقاء.
• المقابلة: مقابلة بين كوسوفا ومصر، بين البداية والنهاية، تضفي على النص بنية دائرية متكاملة.
٦. تقييم الأثر
يمكن القول إن هذه القصيدة تمثل إضافة نوعية لشعر الرثاء في العصر الحديث، وذلك للأسباب التالية:
1. البعد الإنساني: تجاوزت المدح التقليدي إلى تصوير علاقة إنسانية حقيقية، قائمة على التعاون والصداقة وخدمة القضايا المشتركة.
2. البعد التاريخي: وثقت مرحلة مهمة من العلاقات المصرية – البلقانية، ودور العلماء في دعم القضايا العادلة.
3. البعد الفني: استطاع الشاعر المزاوجة بين الأصالة (الاعتماد على البحر البسيط والقاموس الشعري التقليدي) والمعاصرة (تناول قضايا حديثة بصور بلاغية مبتكرة).
4. البعد الوجداني: تمكنت القصيدة من نقل المشاعر الصادقة دون مبالغة أو تقعر، مما يجعلها قريبة من القلب والروح.
وأخيراً، تبقى قصيدة الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في رثاء الدكتور محمد المختار المهدي وثيقة وفاء نادرة، تجسد معنى “العلم رسالة” و”الصداقة مسئولية”. إنها ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي مشروع توثيقي لسيرة عالم جليل، واعتراف بفضل من فتح قلبه وعلمه لقضية شعب بعيد جغرافيًا لكنه قريب بالإيمان.
لقد نجح الشاعر في تحويل الألم الشخصي إلى لوحة فنية، وصور الفراق بلوحة مكتملة الأركان: فيها اللقاء، وفيها العطاء، وفيها الوداع، وفيها الأمل بلقاء الآخرة. هذا هو الشعر الذي يخلد الذكرى، وهذا هو الوفاء الذي يليق بعالم من طراز الدكتور محمد المختار المهدي.
الخاتمة
إن قراءة سيرة فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي في ضوء محاور هذا المقال تكشف عن شخصية متكاملة الأبعاد؛ عالمٍ متقن لعلوم الآلة، وداعيةٍ واعٍ بفقه المقاصد، ومفكرٍ قادر على مخاطبة عصره دون أن يتنازل عن ثوابته، ورجل مؤسسة أدرك أن العمل الفردي – مهما بلغ – لا يضاهي أثر البناء المؤسسي المنظم.
لقد تجلّت موسوعيته في جمعه بين النحو والتفسير، وبين اللغة والواقع، وبين البحث الأكاديمي والخطاب الجماهيري. وتجلّى إخلاصه في دعمه لقضايا الأمة، وفي تفاعله الصادق مع هموم المسلمين خارج حدود وطنه، كما ظهر في اهتمامه بقضية كوسوفا والبوسنة، وتحويله تلك القضايا إلى خطاب علمي ومنبري أسهم في صناعة الوعي ونصرة الحق.
أما في البعد الإنساني، فقد كشفت الشهادات الحية – ولا سيما شهادة الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي – عن وجه آخر للعالم الرباني: تواضعه، وكرمه، وانفتاحه، واستعداده الدائم للمساندة والنصح. وجاءت القصيدة التأبينية لتكون ترجمة وجدانية لهذا الأثر، وتحويلًا للفقد إلى نص شعري خالد، يمزج بين الحزن والفخر، وبين الوفاء والتاريخ.
إن رحيل الدكتور المهدي عام 2016م لم يكن نهاية تأثيره، بل بداية لمرحلة جديدة من حضورٍ ممتد في كتبه، وتلاميذه، ومؤسساته، وفي الذاكرة العلمية للأزهر الشريف والعالم الإسلامي. فالعلم إذا اقترن بالإخلاص صار أثرًا باقيًا، والكلمة إذا خرجت من قلب صادق بلغت القلوب عبر الأجيال.
وإذا كان الجسد قد غاب، فإن المشروع باقٍ؛ مشروع الجمع بين علوم الآلة وعلوم الغاية، بين الفقه واللغة، بين الفكر والدعوة، بين المحلية والعالمية. وتبقى المسؤولية اليوم على عاتق الباحثين والدعاة أن يحفظوا هذا التراث، وأن يواصلوا المسير على النهج الوسطي الرصين الذي مثّله الشيخ المهدي.
ختامًا، فإن هذه الدراسة – بما ضمّته من تحليل علمي، ونقد فكري، وشهادة شخصية، ونص شعري – تسعى إلى تقديم صورة متكاملة لعالمٍ عاش للعلم ومات وهو يؤدي رسالته. رحم الله فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل علمه صدقة جارية، وذكراه نورًا يهدي السائرين في دروب المعرفة والدعوة.
والحمد لله رب العالمين.
————————
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]