
انتظر محمد القحطاني مرور عشر دقائق ليصلَ إلى موظفة الحجز، التي أخبرته بوجود مقعد في آخر مقطورة. عليه اتخاذ القرار بسرعة، فالقطار سينطلق من السويد إلى الدنمارك بعد دقيقتين.
وضع التذكرة في جيب بنطاله وبدأ يهرول للوصول إلى القطار رقم 6B. لقد كان الراكب الأخير.
شعورٌ بالانزعاج سرعان ما ألمَّ به حين وجد امرأةً جالسةً بجانب النافذة، لكن ذلك لم يمنعه من أن يطلب منها تبادل الأماكن عندما وجدها مُنشغلةً بقراءة كتاب، وغير مهتمَّة بما يوجد خلف النافذة.
شكرها وهو يضع حقيبته داخل الرفِّ.
بعد مرور لحظات، بدأت بوادر الملل تظهر عليه. المناظر بدأت تتكرَّر أمامه: بنايات شاهقة، وبيوت تتدلَّى النباتات من شرفاتها، أشجار داكنة الخضرة، مزارع شاسعة، أبقار تُرعى، رجال يعملون، جسور وأنفاق، بحر وزوارق، ونوارس، وزمن يمضي دون عودة.
تصفَّح جوَّاله كمحاولة لتبديد الملل. التفت نحو المرأة، فوقع بصره على عنوان الكتاب الذي تقرأه: الفلسفة الحديثة. ذكَّره العنوان بصديقٍ له كان يدرس الفلسفة، فسألها دون مُقدِّمات:
هل تدرسين الفلسفة؟
رفعت رأسها عن الكتاب، وابتسمت قبل أن تجيبه:
لا، أنا أستاذة مادة الفلسفة الحديثة.
علت الدهشة وجهه وهو يسألها ثانية:
وهل هناك فلسفة قديمة؟!
دارت نظرات عينيها بصمت، وقبل أن تجيب سألها ثانية:
ماذا تعني كلمة فلسفة؟
قالت:
هي دراسة لنظريات المعرفة التي توصل إليها البشر، وإيجاد العلاقة بين كل هذه الأشياء.
على الرغم من أنه أبدى اهتماماً بحديثها، فإنَّه في قرارة نفسه لم يفقه شيئاً مما قالت. تساءل مع نفسه: كيف لجميلةٍ مثلها أن تنشغل بدراسة الفلسفة؟!
ومع ذلك، شعر بالضيق من وجودها، فالتفت صوب النافذة، لكنَّ صوتها أعاده ثانيةً وهي تسأله:
ألم تقرأ عن الفلسفة من قبل؟
شعر بالحرج من سؤالها، فابتسم قبل الرد:
أنا لا أقرأ… هاجرت من بلادي منذ تسع سنوات لأعمل هنا… أنا الآن مسافر إلى ألمانيا، حصلت على عمل في جامعتها براتب أعلى.
سألته بدهشة:
ماذا ستعمل؟
أجاب:
سأعمل طباخًا.
بعد ارتشاف القليل من القهوة، استأنفت حديثها:
إذن عليك أن تستقلَّ قطاراَ آخرَ؟
قال:
نعم.
سألها:
وأنتِ، هل أنتِ ذاهبة للعمل أم للسياحة؟
أجابت:
أنا ذاهبة لإلقاء محاضرة في اِحدى جامعات الدنمارك.
خطر في باله أن يسألها عن فائدة هذه المحاضرة، لكنَّه اكتفى بالدهليز الذي وجد نفسه فيه.
سألته:
من أيِّ البلاد أنت؟
قال:
أنا عربي.
وعندما افترقا عند وصول القطار، ودَّعته مُتمنِّيةً له حظَّاً سعيداً.
الأصوات التي تعلن عن مواعيد وصول القطارات، والضوضاء الصادرة عن حركة المسافرين، سبّبت له شعورًا بالضياع.
تعزّز لديه هذا الشعور حين فشل في معرفة مكان القطار المتَّجه إلى العاصمة الألمانية. وضع حقيبته على الأرض وهو يلعن كل شيء، إلّا أن كفًّا ربّت على كتفه برفق، جعله يلتفت بسرعة كبيرة؛ إنَّها امرأةُ القطار.
قالت له باستغراب:
انطلق القطار منذ زمن، وأنت مازلت تدور؟!.
بقلم الكاتبة: فوز حمزة