
1
أنا الرحيلُ، بطريقٍ يتبدّل
من حصىٍ وترابٍ إلى جبل،
فأحببتُ الاختيار،
وما مددتُ ذراعي إلّا لأبحر،
فلا معنى للشفاه
إن لم تعرف نُطقَ الكلام وحسَّ القُبَل،
وكيف نحصي الأصابع في ردهاتِ الملل.
فتعالي… يا أيتها القوّة، كخيطٍ في ثقبِ إبرة،
لا سُمَّ، ولا رماحَ، ولا موتًا يتمثّلُ بالضغينةِ،
أحتاجُ أن أُمسكَ بريشِ عصفور،
فالقوّةُ صراعٌ لا يبدأ لينتهي بقدر.
تعالوا لنُبحرَ في الأرض،
بلا حدودٍ، ولا أسوارٍ، ولا طغاة.
خيطٌ يتلوّى حنينًا على صفحةِ الأرض،
بين وردتين وشجر.
للمشرَّدين كلامٌ لا يختلف
عن كلام الناس في ساعاتِ الأسحار،
ولن أقبلَ أن أكون محرومًا، مظلومًا،
يتردّى من جبلِ الانتحار.
وأنا أملك كلُّ ما يملكه الميلادُ والموتُ:
خطواتٌ في صحنِ الحياة.
لا تردعني روحي حين انقسمتْ
بين من يُحبّ النور،
ومن يُغريه وهجُ السراب.
وألفُ عينٍ أحملها ترى الغبارَ،
حجارةً تتهاوى… لتصير ترابًا ينبت جميل الثواب.
2
عند الصبحِ جلستُ — قبيلَ الصبح —
أُحصي عشّاقي
بحبرٍ من أصدافِ البحار،
حتى ارتجف القلم،
وانكسرت الحروف،
لتكتبكِ أنتِ روحي:
نبعًا يصعدُ إلى السماء،
يسقي غيمةً، ويهطلُ ضوءًا
يُداعب التيار،
وعشاقي الغائبون صاروا سنابلَ قمحٍ،
تحوّلوا إلى قنديل يلوّن بهجة الوفاء،
ولم يعد الحنين أرجوحهُ اللوعة،
فماذا أكتبُ… إلا أنّي موجودٌ،
بين القنديل والبهجة، بين السنابل والسماء.
من أنتِ؟
وأنا لم أسألْ: من أنا؟
وهكذا يبدأ الطريق… بجواب يتلظى،
وسؤال مخنوق ابتلع أول حرف وبات مترددًا.
أيقظته بلمسة تكاد تغرقني.
هل قرأتِ جدولَ أسفاري؟
سأسافرُ بعينيكِ،
حيث ألغيتِ المسافاتِ،
وجعلتِ من قربكِ وطنًا
يطوي الأعمارَ
بالحبِّ… وبمتعةِ المعنى.
كلماتُكِ مجذافٌ، وذكراكِ شراعٌ،
أُبحرُ معك فوق السماواتِ، وأنتِ حنطية الأرض، أهدابك شاطئ البحر،
مقهورة السكينة، مثل نسيم رأى الريح فرتعب من رحيل الوداد.
كوني سعادتي… لنبقى
كوني جرأتي… لنحيا
ستختارين الشاطئ،
حيث البرتقال يُلوّن الريح،
ويبقى الشجرُ سيدًا، وزورقٌ صغير
على كفّ الريح يُبحر حيث نشتهي،
ويُشرق همسكِ بين أهدابِ النهار.
ما أجمل أن يكون الإنسان عطر روحه…
وردته وقت تفتح الأنوار.
ما زال في العمر متّسع،
وما زلنا نخلق من الفراغ كونًا،
نُعيد ترتيب الحياة، ونُحيل الفوضى
إلى مدافنَ تنامُ تحت أنقاضها —
لا رجعةَ… ولا انتقام.
3
أيتها الرحلةُ،
ما زلنا هنا، وسنبدأ غدًا…
بجمع كلّ ما هو لنا،
لن ننحني لظلال الماضي،
ولن نُصافح مَن ادّعوا التفوّق على الأقدار.
يا لسانَ المدائح،
لو تنظر إلى نعليك في ارتجاج التراب،
لأمسكت بفكيك
من هول الانهيار.
فلا تتململ وتصفق بجناحيك،
وقوامك يمقته حجرُ الانتظار.
ما أبشع أن يحكم اللصوص أحلامنا،
مرّةً يطاردون أهداب السراب،
ومرّةً يتوسّلون الشرانقَ الفارغة،
فلا يولدُ لهم ظلٌّ… ولا أثر،
لكننا ما زلنا نحمل مصيرنا:
ياسمينُ الشامِ، ترقق له النسيم،
زيتونُ فلسطينَ، تعافت من عبقه الأمم،
وعجينُ القمحِ من الحقول القريبة من بصمات الأصابع، صار خبز البرتقال،
وحبٌّ بسيطٌ… كطبق شتويٍّ،
دافئٍ، شهيٍّ، من قمح يتنفس بخاره.
لقد عبرنا ألفَ عاصفة،
وخرجنا من رمادها أقوى.
حتى لو غاب الحمام،
حتى لو خاننا النهارُ بفوضى الدخان.
سنبدأ كما بدأنا:
على حُلمٍ، على خُلقٍ.
ونحن من يحمل الحياة رغم كل العواصف،
ونحن من يصنع الفجر من صمت الدموع.
فلا خيار لنا
إلّا الانتقام من كلّ أشكال الانتقام،
وكتابة فجرٍ على وجه الشمس،
ولا نغفل على صفحةِ النهار.
ذاك نهاركِ… يا روحي
فاكتبي أنَّنا ننتظر الحبَّ… بلا انتظار.
سنبقى… سنبقى،
ولنا شيءٌ آخر لن نبوح به
قبل حصاد الفرح،
وقبل موت الريح في فم الإعصار.
الجسد هنا، والجسد هناك، وبينهما رحلتي.
كنت أقيس مدى الهشاشة… في فم الجبارين،
انكسروا وتبعثروا، فكان الوصول إليهم رمادًا ينتظر.
يا رحلتي… وصلنا.
ولا شيء بعد الوصول…
ولا شيء أجمل من رحلتنا.
كوني جاهزة لعبور النفس فوق بحر.
كم رأينا وبقينا في كل طريق.
فلا خيار لنا
إلّا الانتقام من كلّ أشكال الانتقام.