
مع وقت السحور، وفنجان القهوه بيدي، كنت اشاهد المنظر داخل الفنجان قبل ان اشاهد العالم خارجه. دوامه القهوه الصغيره بدت لي كأنها تشبه ما يحدث حولنا: حركه كثيره، وهدوء مفقود، وافكار تتزاحم كما تتزاحم الاخبار على شاشات الهاتف.
وبين رشفة واخرى، ظهرت امامي صور الطوابير الطويله لشراء قلن زيت زيتون تونسي. مشهد بسيط في ظاهره، لكنه يدمي القلب حين ترى التدافع وكأن الامر مسالة نجاه. قلت في نفسي: هل وصلنا الى مرحله يصبح فيها الزيت قضيه طوابير وازدحام؟
نحن في بلاد عرفت شجرة الزيتون منذ قرون، من تونس الى الأردن، والزيت جزء من مائدتنا وثقافتنا، نعم. لكن هل هو ماده لا يمكن تعويضها؟ الحقيقه لا. توجد بدائل غذائيه كثيره، لكن الذي يحدث ليس حب في الزيت فقط، بل خوف من فكره النقص، وثقافه استهلاك تربينا عليها دون ان نشعر.
ما رأيته في الصور، ان كانت حقيقيه كما ينشر بالفيديوهات، امام بعض المؤسسات المدنيه والعسكريه، ليس مجرد شراء سلعه، بل مرآه لحاله نفسيه واجتماعيه. حين يشعر الناس ان هناك عرض او فرصه محدوده، يتحول الامر الى سباق، ويضيع الهدوء والمنطق.
وهنا عاد الى ذهني سؤال سياسي لا مفر منه. قبل ايام كان البعض في المظاهرات يرفع الصوت مطالبا بأن يفتح الأردن معركه مع إسرائيل. شعارات كبيره وحماسه عاليه. لكن حين ترى مشهد التدافع على قلن زيت، تتوقف قليل وتسأل: كيف يستقيم هذا مع ذاك؟
الحرب ليست هتافات، ولا لحظة غضب. الحرب مجتمع صابر ومنظم، واقتصاد متماسك، وثقافه مسؤوله. ومن لا يستطيع ان يقف في طابور بهدوء، يصعب عليه ان يتحمل سنوات من الصبر والتقشف والانضباط.
عدت انظر الى فنجان القهوه مره اخرى. هدأت الدوامه داخله قليل، لكن الدوامه الاكبر ما زالت في عقولنا. ربما نحن لا نحتاج فقط الى قلن زيت، بل الى اعاده ترتيب افكارنا حول معنى الحاجه، ومعنى الصبر، ومعنى الشعارات التي نرفعها.
خربشه هذا الصباح ليست لوم لاحد، بل تذكير بسيط: الامم القويه تبدأ من سلوك بسيط في طابور، قبل ان تتحدث عن معارك كبرى.
خربشات((أحد المتدافين على الزيت ))صباحيه.