رؤي ومقالات

كوسوفا بين جمالية الزينة وفقه العهد : قراءة في المشروع القرآني الإصلاحي للدكتور لولزيم أسعدي

في ضوء إشادات البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي..

شهدت كوسوفا، منذ تسعينيات القرن الماضي، تحولات تاريخية عميقة مست بنيتها السياسية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما بعد حرب 1999 وما أعقبها من إعلان الاستقلال عام 2008. وفي خضم هذه التحولات، برزت الحاجة إلى إعادة بناء الإنسان الكوسوفي فكرياً وأخلاقياً، إلى جانب إعادة بناء مؤسسات الدولة.

ولم يكن هذا المسار ليكتمل دون حضور النخبة الأكاديمية والعلمية التي اضطلعت بمهمة ترسيخ القيم، وتصحيح المفاهيم، وتقديم نموذج معرفي متوازن يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

وفي هذا السياق، تبرز شخصية الأستاذ المساعد الدكتور لولزيم أسعدي، أحد أبرز الأكاديميين في كلية الدراسات الإسلامية في بريشتينا،
بوصفه نموذجاً للعالم الذي جمع بين التكوين العلمي العميق في كبريات الجامعات الإسلامية – من جامعة الأزهر إلى جامعة آل البيت

وصولاً إلى الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا – وبين الالتزام الوطني بقضايا كوسوفا وهويتها الثقافية والدينية.

إن قراءة مشروعه العلمي، من خلال رسالته للماجستير الموسومة بـ”الزينة في القرآن الكريم: دراسة موضوعية”، وأطروحته للدكتوراه “العهد في القرآن الكريم والسنة النبوية: دراسة تحليلية”،

تكشف عن رؤية فكرية متكاملة تتجاوز حدود البحث الأكاديمي النظري إلى بناء تصور حضاري شامل. فموضوع “الزينة” يعالج إشكالية الجمال والقيم في مجتمع يسعى إلى إعادة تعريف ذاته بعد عقود من الصراع،

بينما يطرح مفهوم “العهد” أسساً أخلاقية للعلاقات الإنسانية والسياسية والدولية، وهو ما تحتاجه دولة ناشئة مثل كوسوفا في مسار تثبيت مؤسساتها وتعزيز حضورها الدولي.

ولا يمكن إغفال الدور الذي أداه البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في تسليط الضوء على هذه الشخصية العلمية،
من خلال مقاله المنشور في صحيفة الحياة المصرية (4 نوفمبر 2007)، حيث قدّمه بوصفه “المثال الحي لكيف يصبح رجل العلم مقاتلاً من أجل حرية أمته، خادماً لكوسوفا بالقلم والكلمة والعمل”.

هذه الإشادة لا تعكس مجرد تقدير شخصي، بل تمثل شهادة فكرية من أكاديمي مرموق في حق مشروع علمي وطني له أبعاده المعرفية والدبلوماسية.
إن الربط بين مفهومي “الزينة” و”العهد” في المشروع العلمي للدكتور لولزيم أسعدي يفتح أفقاً تحليلياً مهماً:

فالأول يؤسس لرؤية جمالية أخلاقية تضبط علاقة الإنسان بالدنيا، والثاني يضع إطاراً معيارياً يضبط علاقته بالآخرين، أفراداً وجماعات ودولاً.

وهذان البعدان – القيمي والعلاقاتي – يشكلان معاً قاعدة أي نهضة حقيقية، لا سيما في مجتمع خرج من تجربة صراع ويطمح إلى ترسيخ دولة القانون والتعايش.

من هنا، تأتي هذه الدراسة لتقدم قراءة تحليلية موسعة في إسهام الدكتور لولزيم أسعدي في خدمة الفكر الإسلامي المعاصر في كوسوفا، من خلال تحليل أطروحتيه الأكاديميتين،

واستحضار إشادات البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي ، وربط ذلك بالسياق الوطني الكوسوفي، بوصفه سياقاً يحتاج إلى فقه الجمال وفقه العهد معاً؛ جمال القيم في الداخل، ووفاء المواثيق في الخارج.

الرحلة العلمية العابرة للقارات: من غيلان إلى العالمية

ولد الدكتور لولزيم أسعدي في 3 نيسان/أبريل 1969 في غيلان، في أسرة ذات مشاعر وطنية ودينية عميقة. بدأت رحلته الطويلة في طلب العلم منذ سن مبكرة.
وبعد إتمام الدراسة الابتدائية في مسقط رأسه (1974-1984)، شعر بالحاجة إلى التعمق في العلوم الإسلامية واللغة العربية، فرحل إلى سوريا.

وفي دمشق، هذا المركز القديم للثقافة الإسلامية، أتم دراسته الثانوية في معهد “الفرقان”، وتخرج منه عام 1991.
دفعه عطشه للعلم إلى مصر، البلد الذي ظل لقرون مناراً للفكر الإسلامي. وفي جامعة الأزهر الشريف بالقاهرة، التحق بكلية أصول الدين، وتلقى العلم على يد كبار علماء الأزهر.

وبعد تفانٍ استثنائي، تخرج في عام 1995، حاصلاً على أسس متينة في العلوم الإسلامية.

لكن مسيرة تخصص لم تتوقف هنا. وبفضل رؤية واضحة للتعمق في علم التفسير، سافر إلى الأردن. وفي جامعة “آل البيت” في المفرق، أعد وناقش بنجاح رسالة الماجستير بعنوان “الزينة في القرآن الكريم” عام 1999، مبرزاً قدرات تحليلية نادرة في استخراج المعاني الجمالية والروحية العميقة للكتاب المقدس.

دفعه البحث عن التميز إلى ماليزيا، الدولة المعروفة بمنهجها الحديث في العلوم الإسلامية. وفي الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا (IIUM)، كرس نفسه للدراسات الدكتوراه،
متوجاً جهوده بمناقشة أطروحة الدكتوراه بعنوان “العهود في القرآن والسنة” في 15 آب/أغسطس 2004.

وبذلك، أصبح الدكتور لولزيم أسعدي من أوائل الألبان الذين حصلوا على لقب “دكتوراه الدولة” في مجال التفسير، مقدماً نهجاً جديداً ومعمقاً في الدراسات القرآنية باللغة الألبانية.

بعد رحلة معرفية طويلة حول العالم (سوريا، مصر، الأردن، ماليزيا)، عاد الدكتور أسعدي إلى وطنه، كوسوفا، في عام 2005.
وهنا بدأت المرحلة الأكثر إشراقاً في نشاطه، حيث خدم بلده بعلمه وخبرته الاستثنائية.

النشاط الأكاديمي والتأثير في كلية الدراسات الإسلامية
منذ عام 2005، عمل الدكتور لولزيم أسعدي كمحاضر في كلية الدراسات الإسلامية (FSI) في بريشتينا،

حيث سرعان ما أصبح الركيزة الأساسية لقسم التفسير. وفي عام 2012، تم انتخابه أستاذاً مساعداً، ثم عُين لاحقاً وكيلاً للكلية، مساهماً بشكل حاسم في رفع جودة التدريس والإدارة الأكاديمية.

تعتبر المواد التي يدرسها، مثل أصول الفقه، وتفسير (3) وتفسير (4)، من أهم المواد في تكوين الطلاب. ولتلبية احتياجاتهم، أعد مجموعة من المذكرات والدراسات، منها:

• العلاقة والهدف منها.
• المال وقارون (كنموذج للانحراف).
• التوبة والإخلاص.
• واجب الإنسان تجاه الوالدين، والجار، وغير المسلمين.
• الأخوة في الإسلام، القضاء والقدر، وغيرها الكثير.

أصبحت هذه المؤلفات، التي تتناول موضوعات التفسير الموضوعي، مرجعاً أساسياً للطلاب، حيث منحتهم فهماً عميقاً وعملياً للقرآن.

وبالإضافة إلى المذكرات، نشر مؤلفات هامة مثل “دراسات تطبيقية في التفسير الموضوعي للقرآن” و”شخصيات في القرآن الكريم”، مما أغنى المكتبة الألبانية في مجال الدراسات القرآنية.

وبصفته مشرفاً على عدد لا يحصى من رسائل التخرج، فقد كوّن أجيالاً كاملة من اللاهوتيين والمثقفين الإسلاميين،
تاركاً بصمة لا تمحى في تكوينهم العلمي والإنساني. كما تمتد مساهمته إلى هيئة تحرير “مجلة كلية الدراسات الإسلامية”، لضمان معايير علمية عالية لمنشورات الكلية.
المساهمة الفكرية والصحفية

لم يتوقف قلم الدكتور أسعدي عن الكتابة. فمقالاته العلمية، المنشورة بشكل رئيسي في مجلة “المعرفة الإسلامية”، تشكل كنزاً فكرياً للقارئ الألباني. فمنذ عام 2004،
تناول مواضيع متنوعة، من “الانبهار بالعلم” و”العبادة”، وصولاً إلى تحليلات عميقة مثل “شخصيتان متضادتان”، مقدماً دائماً رؤية متوازنة ومبرهنة.

وتشهد مساهمته في ترجمة وتدقيق الأعمال الكبرى، مثل تفسير ابن كثير (المجلد الثاني)

وأعمال أخرى مثل “التجويد” للدكتور مسلي ورباني و”الحياة بعد الموت” للإمام الغزالي، على تفانيه في تقريب روائع الفكر الإسلامي من القارئ الألباني.
وفي مجال الترجمة، أهدى الطلاب ترجمة لأجزاء من تفسير “روائع البيان” للعالم الشهير محمد علي الصابوني، مما مكنهم من الوصول إلى تفسيرات آيات الأحكام.

النشاط الدبلوماسي والثقافي والدولي

لم يقتصر دور الدكتور أسعدي داخل أسوار الكلية، بل كان ولا يزال صوتاً هاماً للألبان في الساحة الدولية.
فقد ألقى محاضرات في مساجد ومراكز ثقافية في سويسرا (وينترثور، لوزيرن، زيورخ، بازل) حول مواضيع تضيء جوهر القرآن ودور الدين في المجتمع.

بل وصل صوته إلى الولايات المتحدة، في مقابلة مع “إذاعة شيكاغو الإسلامية”، متحدثاً عن قضايا مهنية وراهنة.

خلال الأعوام 2007-2009، ساهم أيضاً في مدرسة “علاء الدين” في غيلان، متابعاً تعليم الجيل الجديد، ومن ثم كمحاضر في ماليشيفو (2009-2014).
ويتجلى تفانيه تجاه مواطني غيلان في المحاضرات الأسبوعية التي يلقيها كل يوم ثلاثاء، خالقاً جسراً مستمراً من المعرفة مع أبناء مدينته.

شارك في العديد من الندوات داخل البلاد، متناولاً مواضيع اجتماعية حساسة مثل الفساد والتدخين، مبيناً أن العالم الإسلامي ليس معزولاً عن مشاكل الواقع، بل على العكس، يقدم الحلول والتوعية.
التقدير في صحيفة “الحياة” المصرية (القاهرة، 4 نوفمبر 2007)
كان هذا البعد الشامل لشخصيته هو ما وضعته في الاعتبار عندما كتبت عنه في الصحيفة المصرية المعروفة “الحياة” في 4 نوفمبر 2007، ضمن زاوية “من شخصيات الفكر الألباني المعاصر”.

وفي ذلك المقال المعنون “الدكتور لولزيم أسعدي وجهوده في خدمة الشعب الألباني”، قدمته كأحد الرواد الألبان الذين، مثل أسلافنا، لم يخضعوا لأي استعمار وناضلوا للحفاظ على الهوية والثقافة الألبانية.

وأكدت على رحلته الطويلة في طلب العلم، من سوريا إلى ماليزيا، وكيف جلب لوطنه نفعاً كبيراً، مكرساً نفسه بالكامل لخدمة الشعب الألباني في البلقان.
لقد كان المثال الحي لكيف يصبح رجل العلم مقاتلاً من أجل حرية أمته، خادماً لكوسوفا بالقلم والكلمة والعمل.

قراءة في كتاب “الزينة في القرآن الكريم: دراسة موضوعية” للدكتور لولزيم أسعدي: رؤية تحليلية لأبعادها الفكرية والجمالية والحضارية

في رحاب الجمال القرآني

لطالما شكل الخطاب القرآني حقلاً خصباً للدراسات الأكاديمية، ليس فقط لما يحمله من قداسة وتعبد، بل لما يزخر به من آفاق دلالية وجمالية لا تنضب.
ومن بين الدراسات الأكاديمية الرصينة التي تشرفنا بمتابعتها، تلك التي أنجزها الباحث المتميز الدكتور لولزيم أسعدي في مرحلة الماجستير، تحت عنوان “الزينة في القرآن الكريم: دراسة موضوعية” .

وقد نوقشت هذه الرسالة العلمية بكلية الشريعة في جامعة آل البيت – الأردن، الواقعة في مدينة المفرق، وحظيت بالقبول والثناء من اللجان العلمية المتخصصة .
إن اختيار موضوع “الزينة” في القرآن الكريم يحمل في طياته جرأة علمية، لأنه يتناول جانباً من الخطاب القرآني يتداخل فيه الجمالي بالعقدي، والمادي بالروحي، والفردي بالاجتماعي.

وقد استطاع الباحث الشاب آنذاك، والذي كان قد تخرج لتوه من جامعة الأزهر الشريف، أن يخوض هذا الغمار بكفاءة عالية، مقدمًا أطروحة تمثل علامة بارزة في مسيرته العلمية،
وتفتح الباب واسعاً أمام التأمل في مفهوم الجمال كما يقدمه الإسلام.

التحليل الأدبي والنقدي لمحتوى الرسالة

تقوم الرسالة على منهج “الدراسة الموضوعية” ، وهو منهج يهدف إلى تتبع آية أو مفهوم معين في القرآن الكريم، ثم جمعه وتصنيفه واستنباط دلالاته الشاملة،
بعيداً عن التفسير التجزيئي. وقد طبق الدكتور لولزيم هذا المنهج باقتدار على مفهوم “الزينة”، ليشكل بذلك لبنة في صرح الدراسات القرآنية الأكاديمية التي ازدهرت في جامعة آل البيت

إلى جانب عشرات الرسائل الأخرى التي تناولت مفاهيم قرآنية كـ “الإحسان” و “الاستقامة” و “الآيات الكونية” .
على المستوى الأدبي واللغوي، تتميز الرسالة بقدرتها على تفكيك الخطاب القرآني حول الجمال. فالزينة في القرآن ليست مفهوماً أحادياً،

بل تتدرج من الزينة المادية كـ”البنون والمال” (زينة الحياة الدنيا) إلى الزينة المعنوية كـ”الحياء” و “الإيمان” الذي يزين القلوب. يبرز الباحث هذا التدرج البلاغي والدلالي،
موضحاً كيف يوظف القرآن المفردات لتوجيه النفس البشرية نحو إدراك الفرق بين الزينة العابرة والزينة الباقية.

أما من الناحية الفكرية والعقدية، فقد نجحت الأطروحة في معالجة إشكالية كبرى: وهي الموقف الإسلامي من الجمال.

فالباحث يفند فهم بعض التيارات التي تتصور أن الإسلام دين زهد وقسوة، ويؤكد من خلال استقراء الآيات أن الإسلام لا يلغي الزينة بل يهذبها ويضعها في سياقها الصحيح.
فهو يقر بالجمال كصفة إلهية (إن الله جميل يحب الجمال)، لكنه يحذر من تحول هذه الزينة إلى غاية تعمي عن الآخرة.
هذه المعالجة العلمية الموضوعية تقدم تصوراً متوازناً للإسلام، بعيداً عن التطرف والتفريط.

تقييم الأثر الفكري والثقافي والعلمي

إن الأثر المترتب على هذه الرسالة يتجاوز كونها مجرد متطلب أكاديمي لنيل درجة الماجستير، ليمتد إلى مجالات حيوية متعددة:

1. في الحياة الفكرية والعلمية: شكلت هذه الرسالة نواة التخصص الدقيق للدكتور لولزيم في علم التفسير.

2. لقد مهدت له الطريق لمواصلة دراساته العليا في الدكتوراه (في جامعة IIUM بماليزيا) والتي تناولت موضوع “العهد والمواثيق” ،
3. كما أسست لمنهجه العلمي القائم على الموضوعية والاستقراء. إن إدراج هذه الرسالة ضمن سجلات جامعة آل البيت

4. يجعلها مرجعاً للباحثين والأكاديميين في الدراسات القرآنية، سواء في الأردن أو في العالم الإسلامي، مما يعزز مكانة الفكر الإسلامي الأصيل.

2. في الحياة الأدبية والثقافية: قدمت الأطروحة مادة ثرية للمكتبة الإسلامية باللغة العربية، وهو أمر بالغ الأهمية لباحث ناطق بالألبانية.
إن قدرة الدكتور لولزيم على البحث والكتابة بالعربية بهذا المستوى الرفيع، وهو من أبناء البلقان، تعكس عمق الاندماج في الثقافة الإسلامية وتجسد فكرة “وحدة الأمة” الفكرية.

كما أن موضوع “الزينة” يلامس بشكل مباشر قضايا الفن والأدب والجمال، مما يجعل هذه الدراسة جسراً بين النص القرآني والإنتاج الثقافي الإنساني.
3. في الحياة الاقتصادية والاجتماعية: تتضمن الآيات التي تناولتها الرسالة توجيهاً قرآنياً مهماً حول المال والبنى، أي الثروة والأبناء، كزينة للحياة الدنيا.

إن الفهم العميق لهذه الآيات، كما قدمه الباحث، يوجه النظرة الاقتصادية في المجتمع. فهو يدعو إلى عدم الاكتناز أو التعلق بالمال كقيمة مطلقة،
بل النظر إليه كزينة ووسيلة ينبغي توظيفها في الخير والباقيات الصالحات. هذا الفهم يساهم في بناء نموذج اقتصادي أخلاقي.

4. في الحياة السياسية والدبلوماسية: من المثير للاهتمام أن باحثاً من كوسوفا يدرس في الأردن مفهوم الزينة في القرآن. هذه الرحلة العلمية (سوريا، مصر، الأردن، ماليزيا) تحمل في طياتها بعداً دبلوماسياً وحضارياً. إنها تعكس انفتاح العالم الإسلامي على أبنائه من كل الأقطار،

وتؤكد أن العلم هو أرقى أشكال الدبلوماسية الشعبية. إن شخصية مثل الدكتور لولزيم، الذي تتلمذ في أشهر الجامعات الإسلامية،

وتمثل نموذجاً للقادر على بناء جسور من التفاهم والحوار بين الشعب الألباني المسلم والعالمين العربي والإسلامي، مستنداً في ذلك إلى رؤية فكرية عميقة نابعة من فهم صحيح للقرآن.

بصمة في مسيرة العلم والمعرفة

في الختام، يمكن القول إن رسالة الماجستير “الزينة في القرآن الكريم: دراسة موضوعية” للدكتور لولزيم أسعدي لم تكن مجرد محطة دراسية عابرة،
بل كانت مشروعاً علمياً أسس لرؤية متكاملة. هي دراسة تضع القارئ أمام مسؤولية التأمل في جمال الكون وفق المنظور القرآني، وتعلمه كيف يوازن بين زينة الدنيا وزينة التقوى.
هذا العمل العلمي الرصين يؤهل كاتبه ليكون أكثر من مجرد أستاذ جامعي؛ إنه يؤهله ليكون مفكراً إسلامياً متمكناً، قادراً على الإسهام في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية،
ليس فقط في كوسوفا، بل في كل مكان يحل فيه. وإننا إذ نثني على هذا الجهد، لننتظر من الدكتور لولزيم المزيد من العطاء، مستلهماً من معين القرآن ما يفيد الأمة في دينها ودنياها.

أطروحة “العهد في القرآن الكريم والسنة النبوية” للدكتور لولزيم أسعدي: قراءة في فقه العلاقات الإنسانية والدولية من منظور إسلامي

العهد في ميزان البحث الأكاديمي

إذا كانت رسالة الماجستير للدكتور لولزيم أسعدي قد تعمقت في مفهوم “الزينة” كقيمة جمالية وروحية،

فإن أطروحته للدكتوراه “العهد في القرآن الكريم والسنة النبوية: دراسة تحليلية” تمثل نقلة نوعية في مسيرته العلمية، وتُظهر نضجه الفكري واتساع أفقه البحثي.
هذه الأطروحة التي نوقشت في جامعة العلوم الإسلامية العالمية (IIUM) في ماليزيا، وحصل بها الباحث على درجة الدكتوراه في تخصص علوم القرآن والتفسير،

وهي تُعد عملاً أكاديمياً رائداً يتناول أحد أخطر المفاهيم في النص القرآني وأكثرها إلحاحاً على الواقع البشري: ألا وهو مفهوم “العهد” بمختلف تجلياته.
إن اختيار هذا الموضوع تحديداً في بداية الألفية الثالثة (سُجلت الأطروحة في سبتمبر 2004) يحمل دلالة عميقة.

فهو يشي بوعي الباحث المبكر بأهمية بناء نظرية إسلامية متكاملة في العلاقات الإنسانية والدولية، تقوم على أسس متينة من الكتاب والسنة،
وتتصدى للتحديات المعاصرة في زمن تميز بالحروب والصراعات وتفكك المواثيق.

التحليل الأدبي والنقدي للأطروحة: العهد كمحور للوجود

تتميز أطروحة الدكتور لولزيم بمنهجها “التحليلي الموضوعي” الشامل. فهي لا تكتفي بتتبع آيات “العهد” في القرآن الكريم، بل تمتد لتشمل تطبيقاته العملية في السنة النبوية المطهرة. هذا الربط بين التنظير القرآني والتطبيق النبوي
يمنح الدراسة قوة استدلالية كبرى، ويجعلها موسوعة مصغرة لفقه العلاقات في الإسلام.

تنقسم الأطروحة إلى ثلاثة أبواب رئيسية، يتنقل فيها القارئ من التأصيل النظري إلى التطبيق العملي، وصولاً إلى استخلاص الأحكام والآثار:

1. الباب الأول: العهد في القرآن الكريم: يتتبع الباحث فيه الآيات القرآنية التي تطرقت إلى العهد مع الله (الميثاق الإلهي مع البشر)، والعهود مع المؤمنين (الالتزامات الدينية والأخلاقية)،

والعهود الخاصة مع أهل الكتاب (بني إسرائيل والنصارى). هذا التقسيم يظهر قدرة الباحث على التمييز بين مستويات الخطاب القرآني،

وإبراز سعة المفهوم القرآني للعهد الذي يشمل علاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بنفسه وبالآخرين.

2. الباب الثاني: العهد في السنة النبوية: ينتقل الباحث من التنظير القرآني إلى التطبيق العملي على يد النبي الكريم ﷺ.
يحلل هذا الباب العهود التي أبرمها النبي ﷺ في عصر الرسالة مع مختلف الأطراف: المؤمنين، المشركين، اليهود، والنصارى.
هذا الفصل يمثل دراسة حالة فريدة في السيرة النبوية، ويظهر كيف ترجم النبي ﷺ مبادئ القرآن إلى عقود ومواثيق حية.
أتاح تحليل صلح الحديبية ووثيقة المدينة (التي تناولها الباحث بالتفصيل) للدكتور لولزيم فرصة ذهبية لإبراز فقه الأولويات والحكمة السياسية للرسول ﷺ في التعامل مع الآخر.

3. الباب الثالث: الالتزام بالعهد وعقوبة نقضه وشروطه وآثاره: يمثل هذا الباب ذروة العمل البحثي، حيث ينتقل من السرد التاريخي إلى التحليل الفقهي والمقاصدي.

يناقش الباحث بإسهاب وجوب الالتزام بالعهد في القرآن والسنة، والعقوبات المترتبة على نقضه في الدنيا والآخرة. كما يضع شروطاً دقيقة لصحة العهد،
ويحلل آثاره على “المسلك الإنساني” (أي السلوك الإنساني)، مما يعكس نظرة إسلامية إنسانية للعلاقات الدولية.
تقييم الأثر الفكري والثقافي والعلمي والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي

لا شك أن هذه الأطروحة العلمية المتقنة تحمل في طياتها آثاراً بعيدة المدى تتجاوز الأكاديميا الضيقة إلى ميادين الحياة الواسعة:

1. في الحياة الفكرية والعلمية: تمثل هذه الأطروحة إضافة نوعية للمكتبة الإسلامية في مجال “فقه العلاقات الدولية”.
فهي تقدم نموذجاً للتأصيل العلمي الرصين لمفهوم “العهد”، وتصحح المفاهيم الخاطئة التي تروج لها بعض التيارات المتشددة التي تدعو إلى نبذ الآخر أو عدم الالتزام بالمواثيق مع غير المسلمين.

لقد أثبت الباحث، من خلال استقراء شامل للنصوص، أن الأصل في علاقات المسلمين مع غيرهم هو السلم والوفاء بالعهود،

وأن تاريخ النبي ﷺ حافل بنماذج مشرقة من التعايش والالتزام. هذا التأصيل العلمي يمثل رداً قوياً على الفكر المتطرف، ويدعم جهود تجديد الخطاب الديني.
2. في الحياة الثقافية والأدبية: من خلال تحليل النصوص القرآنية والنبوية، قدم الباحث مادة أدبية ولغوية غنية.

إن تفكيكه لخطاب “العهد” في القرآن يبرز جمالية اللغة القرآنية في صياغة العقود والمواثيق، ويظهر كيف أن الالتزام الأخلاقي ينبع من صميم الإيمان.
وهذا الفهم الراقي للدين يساهم في بناء ثقافة إسلامية منفتحة ومتسامحة، قادرة على الحوار مع الثقافات الأخرى.

3. في الحياة الاقتصادية: يتناول البحث مفهوم العهد الذي يشمل العقود التجارية والمدنية بكل أنواعها.
من خلال ربط الوفاء بالعهد بالإيمان (كما فعل الباحث)، فإن الأطروحة تؤسس لأخلاقيات اقتصادية إسلامية رفيعة.

إن المجتمع الذي يلتزم أفراده بالعقود والمواثيق هو مجتمع تجتذب الاستثمارات، وتزدهر فيه التجارة، وتقل فيه المنازعات.
بهذا المعنى، تساهم الأطروحة في بناء نموذج اقتصادي قائم على الثقة والشفافية والالتزام الأخلاقي.

4. في الحياة السياسية والدبلوماسية: ربما يكون هذا المجال هو الأكثر تأثراً بالأطروحة. من خلال تحليل وثيقة المدينة وصلح الحديبية وعهود النبي ﷺ مع اليهود والنصارى،
يقدم الباحث نموذجاً متكاملاً للدبلوماسية الإسلامية. إن إصرار النبي ﷺ على الوفاء ببنود صلح الحديبية رغم ما فيها من “إجحاف” ظاهري، إنما هو درس عظيم في “الدبلوماسية الأخلاقية”.

كما أن تحليل الباحث لعهود النبي ﷺ مع اليهود في المدينة يظهر كيف يمكن للدولة الإسلامية أن تتعايش مع غير المسلمين على أسس من المواطنة المتساوية والالتزام المتبادل.
هذه الرؤية تجعل من أطروحة الدكتور لولزيم مرجعاً مهماً للدبلوماسيين والسياسيين،
ليس فقط في العالم الإسلامي، بل في كل مكان يبحث عن صيغة عادلة للتعايش بين الأمم.

العهد.. رؤية كونية للسلام

في الختام، يمكن القول إن أطروحة الدكتور لولزيم أسعدي “العهد في القرآن الكريم والسنة النبوية” هي عمل موسوعي بامتياز.

وهي دراسة تجمع بين دقة التحليل اللغوي، وعمق الاستقراء الموضوعي، وحسن الفهم المقاصدي للشريعة. لكنها، قبل كل شيء، مشروع فكري وإنساني يقدم رؤية إسلامية أصيلة للعلاقات الدولية تقوم على السلام والعدل والالتزام الأخلاقي.

إن الباحث، من خلال هذه الأطروحة، لم يثبت فقط كفاءته العلمية لنيل أعلى الدرجات الأكاديمية،

بل أثبت أيضاً أنه مفكر إسلامي قادر على تقديم إجابات مقنعة للتحديات المعاصرة، مستلهماً من معين الوحي.
وإننا في هذه المقال، إذ نقدم هذه القراءة المتواضعة لهذا الصرح العلمي الشامخ، لنرفع القبعة إجلالاً لهذا الجهد المبارك،

وندعو الله أن يوفق الدكتور لولزيم لمزيد من العطاء، وأن يجعل هذا العمل في ميزان حسناته. إنه نعم المولى ونعم النصير.
إشادة البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي بجهود الدكتور لولزيم أسعدي

“لقد كان المثال الحي لكيف يصبح رجل العلم مقاتلاً من أجل حرية أمته، خادماً لكوسوفا بالقلم والكلمة والعمل.”
“رحلته الطويلة في طلب العلم، من سوريا إلى ماليزيا، جلبت لوطنه نفعاً كبيراً، مكرساً نفسه بالكامل لخدمة الشعب الألباني في البلقان.”

هذه الاقتباسات مأخوذة من المقال الذي نشره الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في صحيفة الحياة المصرية بتاريخ 4 نوفمبر 2007،
حيث قدّم فيه الدكتور لولزيم أسعدي كأحد رواد الفكر الألباني المعاصر، مؤكداً على دوره العلمي والوطني.

البعد الأكاديمي والفكري في شخصية الدكتور لولزيم أسعدي :

“أصبح الدكتور لولزيم أسعدي من أوائل الألبان الذين حصلوا على لقب ‘دكتوراه الدولة’ في مجال التفسير، مقدماً نهجاً جديداً ومعمقاً في الدراسات القرآنية باللغة الألبانية.”
“أصبحت مؤلفاته ومذكراته مرجعاً أساسياً للطلاب، حيث منحتهم فهماً عميقاً وعملياً للقرآن، وأغنت المكتبة الألبانية في مجال الدراسات القرآنية.”

البعد الدبلوماسي والثقافي الدولي في شخصية الدكتور لولزيم أسعدي
“لم يقتصر دور الدكتور أسعدي داخل أسوار الكلية، بل كان ولا يزال صوتاً هاماً للألبان في الساحة الدولية،

حيث ألقى محاضرات في مساجد ومراكز ثقافية في سويسرا والولايات المتحدة، متحدثاً عن قضايا مهنية وراهنة.”

“إن شخصية مثل الدكتور لولزيم، الذي تتلمذ في أشهر الجامعات الإسلامية، تمثل نموذجاً للقادر على بناء جسور من التفاهم والحوار بين الشعب الألباني المسلم والعالمين العربي والإسلامي.”
خاتمة
إن استقراء المسار العلمي للدكتور لولزيم أسعدي، في ضوء تحليله لمفهومي “الزينة” و”العهد”،

يكشف عن مشروع فكري متماسك يقوم على إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء المؤسسات.

فالزينة، كما عرضها في دراسته الموضوعية، ليست مجرد مظهر جمالي عابر، بل قيمة تربوية تعيد ترتيب أولويات الفرد بين زينة الدنيا وزينة التقوى. والعهد،
كما فصّله في أطروحته للدكتوراه، ليس مجرد عقد قانوني، بل ميثاق أخلاقي يؤسس لثقافة الوفاء والالتزام في مختلف مستويات الحياة.

وبالنسبة لكوسوفا، تمثل هذه الرؤية بعداً استراتيجياً بالغ الأهمية. فدولة تسعى إلى تثبيت حضورها الإقليمي والدولي بحاجة إلى ترسيخ ثقافة احترام العهود والمواثيق،
سواء في سياستها الداخلية أو في علاقاتها الخارجية. كما أن مجتمعاً متعدد الانتماءات الدينية والثقافية يحتاج إلى خطاب ديني متوازن،

يؤكد على الجمال والقيم المشتركة، ويبتعد عن الانغلاق أو التطرف.

لقد أدرك البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي هذه الأبعاد حين وصف الدكتور لولزيم بأنه “خادم لكوسوفا بالقلم والكلمة والعمل”.

فالعلم هنا يتحول إلى قوة ناعمة، وإلى أداة دبلوماسية ثقافية، تساهم في تحسين صورة كوسوفا في العالم الإسلامي،
وتعزز جسور التواصل بين الشعب الألباني والعالمين العربي والإسلامي.

كما أن حضور الدكتور لولزيم في المؤتمرات والندوات الدولية، ومحاضراته في أوروبا والولايات المتحدة، يعكس نموذجاً للعالم الكوسوفي الذي يحمل همّ وطنه في فضاء عالمي،
ويقدم صورة حضارية للإسلام الألباني، القائم على الاعتدال والالتزام الأخلاقي.

إن المشروع العلمي الذي بدأ بدراسة “الزينة” وانتهى – مرحلياً – بدراسة “العهد”، يمكن اعتباره لبنة في تأسيس خطاب إسلامي أكاديمي معاصر في كوسوفا،
يجمع بين المنهجية العلمية الرصينة والانتماء الوطني الواعي. وهو خطاب قادر على الإسهام في معالجة التحديات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تواجه المجتمع الكوسوفي في مرحلة ما بعد الصراع.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن تجربة الدكتور لولزيم أسعدي تقدم نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الجامعة والمجتمع، وبين البحث الأكاديمي وقضايا الوطن.
إنها تجربة تؤكد أن النهضة لا تصنعها الشعارات، بل يصنعها العلماء الذين يحولون المعرفة إلى مشروع إصلاحي متكامل.

ومن هنا، فإن كوسوفا – وهي تمضي في مسار تثبيت دولتها وتعزيز حضورها الدولي – أحوج ما تكون إلى أمثال هؤلاء العلماء،
الذين يجمعون بين عمق التخصص، ووضوح الرؤية، وصدق الانتماء. فبالعلم تُصان الهوية، وبالوفاء تُحفظ الدولة، وبالجمال تُبنى الحضارة.

————–
كاتب الدراسة:
د. بكر اسماعيل الكوسوفي
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى