
في أزمة الحرب اليوم المقلقة نحن بحاجة الى اكتشاف انفسنا على ضوء هذه الازمة.إن النظام الايراني مصمم على امتصاص الصدمات من خلال نظام معقد في توزيع السلطة على مراكز ومؤسسات وطور آلية خاصة به في مقاومة العواصف منذ عام 1979.
نظام تسلسلي هيكلي منظم: المرشد الأعلى، الرئيس، رئيس الوزراء، البرلمان، مجلس خبراء القيادة، مجمع تشخيص مصلحة النظام، الحرس الثوري، البسيج ــــ المتطوعون، الجيش، أي نظام متداخل مؤسساتي يمنع حدوث تصدعات في حال الأزمات العنيفة ويمنع الاستفراد بالسلطة.
في 21 حزيران 1981 في ذروة الحرب العراقية الايرانية تعرضت ايران لضربة عنيفة في تفجير مبنى رئاسي والنتيجة مقتل 72 من الزعماء والقادة كان أبرزهم آية الله محمد بهشتي الزعيم القوي ومقتل 4 وزراء و27 نائباً في البرلمان. أي إيران بلا قيادة.
وفي 30 آب 1981 ُقتل الرئيس الايراني محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر في ضربة مباشرة لـرأس السلطة التنفيذية وتم تشكيل مجلس رئاسي مؤقت فور وقوع الانفجار وانتخاب السيد علي خامنئي.
لكن بما انه نظام لامركزي ومعقد قامت القوات الايرانية في ايلول 1981 ــــــــ أي بعد اربعة شهور من مقتل الرئيس ورئيس الوزراء والقادة ــــــــــ وبعد حصار عراقي على عبادان، بهجوم على القوات العراقية والسيطرة على عبادان وللتذكير ان من قام بذلك هو الحرس الثوري لان ايران بلا جيش حقيقي بعد ان تم حله والابقاء على وحدات معدودة.
انه نظام قائم على تحويل الضحايا الى رموز نظراً لطبيعة النظرة الى الموت على يد عدو وهي فكرة متأصلة في النظام.
تحاول الولايات المتحدة واسرائيل والشركاء العرب احداث” فجوة” و” تصدعات” في النخبة الحاكمة لأنه الخطر الجدي الوحيد على النظام لكن توزيع مراكز السلطة يحول دون ذلك لأنه في حال حدوثه سيقود الى كارثة حرب أهلية ضارية وهو ما تخطط له الأطراف الأخرى والرهان الثاني تصدع الجبهة الداخلية في ظروف صعبة.
في تصريح يوم امس للرئيس الامريكي قال فيه حرفيا” إن النظام الايراني يحتاج الى سنوات لكي يتعافى من الضربة” خلف هذا النص او المسكوت عنه يعني ان النظام مستمر لسنوات عكس ما صرح وطالب به في اسقاط النظام لانه لا يعرف شيئا عن طبيعة وتركيبة النظام الايراني وتشابكاته المركبة.
سيكتشفون بعد فوات الاوان ان اغتيال المرشد كان خطأ فادحاً لأن الموجة القادمة من القادة من العناصر الأكثر تشدداً التي كان المرشد يعمل على تهدئتها وسيكون لهذه العناصر الصلبة ما يبرر موقفها بعد اغتيال المرشد الذي لا تغفره ايران لانه يمس الكبرياء القومي والاسلامي كما ان النظام نفسه سيكون اقل رغبة في الانفتاح السياسي بعد ان تم حشره في زاوية حادة: إما يتخلى عن تشدده الايديولوجي وينهار أو يتصلب أكثر ويعيش في صراع دائم.
سيكون الشعب الايراني الخاسر الوحيد في الحالتين عكس المزاعم الامريكية والاسرائيلية عن نظام ديمقراطي تخيلي كذريعة تقليدية للحروب الامريكية.
للمرة الأولى يصدر بيان ايراني يقول إن الجيش سيدخل المعركة وهذا يعني معارك برية مما يضع ممالك الخليج في مأزق وجودي عميق عاجزة بشكل تام عن الدفاع عن نفسها في غزو بري عبر الخليج ، وقد تكون عبارة وردت على لسان قادة ايران تقول” سيجد العدو نفسه في مواجهات غير متوقعة” تتحمل الكثير من الالغاز والتوقعات.
من السهل اعلان حرب لكن من الصعب جدا التحكم بها لانها تنتقل من معركة سلاح الى معركة ارادات ومشاعر وعواطف وتاريخ وتراث وتقاليد وهوية.
الحرب ليست معركة سلاح بل معركة وجودية تظهر الدوافع العدوانية وغرائز الموت وتكون فرصة لاكتشاف الذات والآخرين، اكتشاف الذات الزائفة من الذات الحقيقية، مشاعر الشجاعة ومشاعر النبل ومشاعر الكراهية ونزعة التشفي.
في الحرب يكون الانسان أمام مرآة مكبرة يواجه صورته الداخلية المخفية إما بالخوف أو الأقنعة، وكما ان انها تكشف الأقنعة لكنها فرصة لاكتشاف الذات والحوار معها خارج الطرق المألوفة والأفكار الجاهزة والقناعات الشعبية.
لكن طُرح هذا السؤال مرات عبر التاريخ: هل تستحق النفس البشرية كل هذا الدمار لتكتشف نفسها؟ من المؤسف سواء في التجارب الكبرى او الفردية لا تظهر الذات واضحة بلا منعطف خطير ومواقف قاسية لذلك يعمد غالبا مخرجو الافلام وكتاب الرواية حشر مجموعة من البشر في سفينة تغرق أو طائرة على وشك السقوط أو عمارة تحترق لاستخراج أعماق ما في الانسان من دوافع خفية.
خارج البعد العسكري ونتائجه هناك البعد الوجودي والانساني، تكون الحرب فرصة لقاء مع الذات، رحلة نحو الداخل المنسي، لأن العقل الشاحب الأصفر الخاوي ينطلق من الخارج الى الداخل في حين الرحلة معاكسة.
الانسان في الروتين يعيش على السطوح والتكرار لكن الحرب والمواقف الحادة تلزمه النزول الى القيعان المنسية والمهجورة التي تأوي فيها عناكب الزمن بلا فحص ولا غوص ولا استبطان اذا كان بذات طبيعية غير مشوهة.
من لا يملك هذه الذات لا يستطيع التواصل مع ذات حقيقية مدفونة كما لا يمكن الاتصال برقم هاتف غير موجود. الذات المزيفة تبني جدران عزل مع أجمل ما في الانسان من عواطف ومشاعر وأحاسيس وتحرم الفرد من اللقاء بذاته الطبيعة من خلال لغة التبرير والترغيب والخداع الذاتي.
الحرب فرصة اعادة تعريف الذات والآخر بدل هتافات الابادة وصراخ قطعان الكراهية. يمكن لطرف” الانتصار” في حرب عسكرياً لكنه مهزوم أخلاقياً وتاريخياً، نصر معزز بعار التاريخ.
النصر الحقيقي هو ثبات الاحاسيس الانسانية ولقاء الذات والحوار معها لذلك خلال الحروب يحاول قادة الجيش اشغال الجنود باعمال عبثية كالحفر واشغالهم باعمال عبثية للارهاق لكي لا تُطرح الاسئلة عن جدوى الحرب ومعنى الحياة.
كمثال خلال الحرب مع ايران كان يطلب منا تنظيف الخنادق من الوحل تحت مطر غزير ثم الحراسة إما نصف الليل أو الليل كله حتى الفجر بثياب موحلة لمنع التفكير بجدوى الحرب كما حرّم طرح سؤال: متى تنتهي الحرب؟.
عدا حروب التحرير والدفاع عن النفس، كل الحروب هزيمة حياة وموت رخيص وزرع الحقد في اجيال قادمة لأن الحروب لا تنتهي بوقف اطلاق النار بل بوقف الكراهية وتذكير الانسان بانسانيته بدل التحريض الجنوني على الحرب والاحتفال بالدم.