رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :بين الأخطاء والرمزية: ماذا تعني لحظة مقتل خامنئي؟

لا يمكن قراءة مقتل علي خامنئي قراءة عاطفية خالصة، ولا قراءة انتقامية خالصة. الرجل ارتبط اسمه بجرائم سياسية جسيمة داخل #إيران وخارجها، كما ارتبط اسمه أيضاً بموقف صدامي واضح ضد إسرائيل والولايات المتحدة. وهنا تكمن المفارقة.
التاريخ لا يُختزل في الأبيض والأسود.
أولاً: أخطاء اللحظة الأخيرة
إيران ارتكبت سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية التي راكمت عزلتها في اللحظة الأخطر.
رفض أن تكون تركيا – بكل وزنها الإقليمي والدولي – ساحة تفاوض وضامناً سياسياً كان قراراً مكلفاً. في لحظة تحتاج فيها إلى تخفيف الضغوط، اختارت طهران تقليص هوامش الوساطة.
ثم جاء الخطأ الأكثر حساسية: توسيع نطاق الرد ليشمل محيط الخليج، ليس فقط عبر استهداف قواعد عسكرية، بل منشآت مدنية أيضاً. بذلك خسرت إيران رصيداً كانت تبنيه عبر قنوات هادئة، خصوصاً الجهود العُمانية التي حاولت إبقاء باب التهدئة مفتوحاً. حين تشعر دول الخليج أن أمنها الداخلي أصبح مباشرة في دائرة النار، فإنها لن تبقى في منطقة رمادية.
أما الخطأ الثالث، وربما الأخطر، فهو الاختراق الاستخباراتي. عملية بهذا العمق تعني أن خصوم طهران لم يخترقوا الحدود فحسب، بل اخترقوا طبقات الثقة داخل النظام نفسه. وحين تُضرب القيادة في لحظة اجتماعها، فإن الرسالة ليست عسكرية فقط، بل نفسية ومؤسسية: “نحن نعرفكم من الداخل”.
هذا النوع من الضربات يهز الثقة أكثر مما يهز الجدران.
ثانياً: الإرث المظلم
لا يمكن تجاهل سجل خامنئي الداخلي: تصفية الحلفاء الشيوعيين في الثمانينات، مجازر 1988، حملات القمع، الإعدامات، الاغتيالات السياسية، وأدواره في العراق وسوريا. هذه صفحات ثقيلة لا يمكن تبريرها أو محوها تحت أي عنوان.
كثير من الإيرانيين أنفسهم حملوا غضبهم عليه قبل أن يحمله خصومه الخارجيون.
ثالثاً: المفارقة الأخلاقية
لكن الحقيقة الأخرى أن خامنئي لم يُقتل بسبب تلك الجرائم.
لم يُستهدف بسبب لجان الموت، ولا بسبب قمع الداخل، ولا بسبب السجون.
قُتل – وفق الرواية السائدة – لأنه تمسك بخط المواجهة مع إسرائيل ورفض شروط الولايات المتحدة، ولأنه لم يتخلَّ عن دعم القضية الفلسطينية.
وهنا يظهر التناقض الصعب:
رجل متهم بالقمع في الداخل، لكنه في الخارج تموضع في معسكر المواجهة.
الاغتيال لم يكن عقاباً أخلاقياً، بل قراراً استراتيجياً.
رابعاً: ماذا بعد؟
السؤال الآن ليس فقط: هل كان الرجل صواباً أم مخطئاً؟
السؤال الأهم: ماذا يعني غيابه في ميزان المنطقة؟
إذا سقطت إيران بالكامل، ستُعاد صياغة الشرق الأوسط على نحو قد يجعل إسرائيل القوة المهيمنة بلا توازن.
وإذا تشددت إيران أكثر، قد ندخل مرحلة تصعيد أطول وأخطر.
الأنظمة العقائدية لا تنهار بسهولة باغتيال قائد، لكنها تهتز.
والدبلوماسية – مهما بدت متأخرة – تبقى المسار الوحيد لتفادي انفجار أوسع.
التاريخ لا يمنح براءة مطلقة، ولا يصدر أحكاماً مبسطة.
خامنئي كان مسؤولاً عن قمع داخلي ثقيل، وكان أيضاً رمزاً لمواجهة خارجية صلبة.
مقتله ليس نهاية رواية، بل بداية فصل جديد.
والسؤال الذي سيبقى معلقاً:
هل ستنتصر منطق الانتقام، أم منطق إعادة التوازن؟
المنطقة لا تحتمل حرباً طويلة أخرى. لكنها أيضاً لا تحتمل فراغاً في ميزان القوى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى