ميخائيل عوض يكتب : قطع الرأس ام ولادة رأس جديد ؟؟ هل أخطأوا الحساب ؟؟ اليوم الأول أصحاب الرايات اليد العليا . !!!

قطع الرأس أم ولادة رأسٍ جديد ؟ هل أخطأوا الحساب؟؟
اليوم الأول أصحاب الرايات اليد العليا
ميخائيل عوض / لبنان
في “حرب يوم القيامة”، وهي حرب تنهي دورة زمنية استمرت لألف عام وتعلن دخول البشرية عصر الحضارة الثالث في لحظة المخاض الحرج هذا فالتحوّلات النوعية بعد تراكم كمي كبير تبدأ بضربة واحدة في رأس الهرم كي تهتزّ بنية العالم بأكمله، ويُطرح السؤال الذي يؤجَّل عادةً: من يحكم المرحلة المقبلة، وبأي منطق، وبأي شرعية؟
اغتيال القائد علي الخامنئي الذي لم يكن حدثاً أمنياً عابراً في سياق صراع طويل، بل لحظة كاشفة. لحظة اختبرت تماسك البنية القيادية، وعمق الاختراق الاستخباري، وحدود الردع، وصدق السرديات المتقابلة حول القوة والإيمان والمصير. بين من قرأ العملية بوصفها نصراً حاسماً، ومن اعتبرها بداية انفجار أكبر، انفتح الإقليم وبالضرورة العالم على احتمالات تتجاوز الحسابات التكتيكية الضيقة.
في هذا السياق، لا تبدو المواجهة مجرد تبادل ضربات بين خصمين تقليديين، بل صراعاً على إعادة تعريف العالم القادم كله. وعلى إعادة تعريف القواعد ذاتها داخل النسيج الإيراني هل تُدار إيران بمنطق الاغتيال والهندسة السياسية من الخارج؟ أم بمنطق الصمود وإعادة إنتاج القيادة من الداخل؟ وهل يستطيع المكسب العملياتي أن يتحول إلى تفوق استراتيجي دائم، أم أن الصدمة قد تُنتج تماسكاً أشد وصلابة أعلى؟
دلالات التوقيت، معنى الرد، طبيعة الرسائل، واحتمالات المسار. لأن ما جرى لا يتعلق بشخصٍ واحد، بل بمعادلة كاملة قيد الاختبار.
لن تكون هذه الجريمة محطة عابرة في تاريخ الصراعات الإقليمية وإنما تكون بداية فصل تأسيسي رسم موازين القوة والشرعية في العالم ويتحدد مستقبل مرحلة بأكملها.
*أولاً: الحرب بوصفها تحوّلاً حضارياً… صراع تقوده قوى التوحش والإبادة*
في البناء المفاهيمي، تُعرَّف الحرب بأنها مواجهة بين نمطين في إدارة القوة. وفي حرب يوم القيامة هذه تقف قوى التوحش والإبادة في مواجهة منظومة عقائدية لدولة الثورة التي ناصرت المستضعفين، وحملت عبء هذا الخيار منذ تأسيسها، هي صدام بين منطق الهيمنة ومنطق “المقاومة”، وصراع على مستقبل العالم لا على حدوده الإقليمية فقط.
هذا الطرح يخرج الحرب من إطار “إدارة الأزمات” إلى إطار “نقطة التحوّل التاريخي”، حيث يُطرح التساؤل بعد اغتيال بحجم السيد الخامنئي هل يتحول المشهد من مواجهة دولة الثورة إلى مأزق ثورة تبتلع كل الدول التي تقف على خيار الولاية؟ أم أن للقاتل حسابات دقيقة رسمها مع إيدي خفية في مؤسسات القرار الإيراني؟.
*ثانياً: الاغتيال… بين التكتيك العسكري و الهندسة السياسية؟*
إن اغتيال السيد الخامنئي لم يكن حدثًا مفاجئا” خاصة وأنه كان هدف الهجوم في يونيو 2025 وأعلن ترامب أنه يريد قتله،ولكنه ضربة قاسية تحمل دلالات خطيرة جدا”، ويطرح فرضيات محتملة هل كانت نتيجة سيطرة سيبرانية دقيقة وخوارزمية استخبارات وتجسس عالي الأداء جعلت مكان تواجد القادة بما فيهم الخامنئي ممكنًا؟ هل كانت نتيجة اختراقات لم يتم التنبه لها وتنظيف البيئة المحيطة بالقيادة من العملاء؟ وأما الاحتمال الأخطر الذي تطرحه الحلقة هو ماذا لو طال الاختراق عصب مؤسسة الولاية نفسها؟ هل جرى تأمين بدلاء على الطريقة الفنزويلية؟
فعملية الاغتيال بسوابق تاريخية معروفة عند الأمريكي والإسرائيلي بإعادة تشكيل القيادة بصعود “براغماتيين” يقبلون التسوية، أي أن تكون الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية تقوم على إزالة الراديكاليين لفتح باب تفاوض مع قيادة أقل صلابة. مستحضراً نمطاً تكرر في تجارب عدة: استهداف قيادات في منظمة التحرير الفلسطينية وفتح تمهيداً لصعود قيادات أكثر قابلية للتفاوض.
وضرب مراكز القرار في الدولة السورية خلال سنوات الحرب خاصة بعد اغتيال خلية الأزمة.
وتركيز الاغتيالات داخل حزب الله على القادة الميدانيين.
من هذا المنظور، يصبح الاغتيال أداة لـ: إحداث صدمة قيادية.
دفع توازنات داخلية نحو تيار براغماتي.فتح نافذة تفاوض بشروط مختلفة
إن تصريحات ترمب الذي قال “نعرف من سيكون بعده”،
هل كان ذلك نتيجة معرفة ترامب بمن أدار ونفذ من داخل دائرة الخامنئي أم هو استثمار في نتائج الاغتيال للبحث عن من يرغب بالتواصل مع ترامب؟ بما يعكس – إن صحّ التوصيف – رهانات على إعادة هندسة المشهد القيادي.
*ثالثاً: فرضية الاختراق مقابل فرضية الجهوزية العقائدية*
وهنا الإشارة إلى ملاحظة مهمة وهي تصريح لعراقجي عن المفاوضات ويسأل هل سنشهد تيارا” مستعجلا” يستثمر في المعطيات؟ وهل ستقبل القيادة الجديدة ذلك؟ هل كسرت الضربة الظهر وأماتت خيار الولاية؟ إن هذا غير ممكن بحسب ما هو معروف ولكنه كالعادة إننا معنيين بإعادة ضبط التحليل تبعا” للتطورات.
حيث يوجد احتمالين متقابلين:
1. فرضية الاختراق البنيوي
أن يكون الخصم قد بلغ مستوى عالياً من المعرفة الداخلية، يسمح له بتحديد مراكز القرار،
بفهم آليات الخلافة، وبالتأثير في التوازنات بين “الولائيين” و”الإصلاحيين”. إننا سنشهد في الفترة المقبلة تخفيض حدة التصعيد في خطاب ترامب ونتنياهو ودعوتهم للعودة إلى التفاوض بدعوى أنه “القيادة الشريرة” قد انتهت.
2. فرضية الجهوزية المسبقة
أن تكون المؤسسة قد بنت منظومة بدائل متعددة المستويات، بحيث لا يؤدي سقوط الصف الأول إلى شلل.
وبالتالي تكون سيناريوهات الاستهداف محسوبة ضمن التخطيط المسبق عندها وبحسب الفكر الولائي يتحول الاغتيال إلى محفّز تعبوي لا إلى كسر إرادة.
يميل تحليل الحلقة إلى أن سرعة الرد تشي بوجود تحضير مسبق، ما يضعف فرضية الانهيار الفوري.
*رابعًا: المكسب التكتيكي مقابل ميزان القوى الاستراتيجي*
وإن كانت براغماتية الطرح الذي نعتمده لم تصادر أهمية ما حققه ترامب ونتنياهو هذا بالقول ” لقد حقق ترامب ونتنياهو مكاسب لا يمكن نفيها أو تجاهل أهميتها”.
ويميز الطرح بين ما نراه مكسباً تكتيكياً واضحاً من خلال
إظهار القدرة على الوصول إلى رأس الهرم، إرباك الخصم إعلامياً ونفسياً،فتح باب لخطاب تفاوضي جديد.
وبين ميزان القوى الكلي طويل المدى.ويرجّح أن الحسم لا يتحدد بضربة واحدة، بل بمسار المواجهة وقدرتها على التوسع أو التحول.
*خامسًا: دلالة الرد السريع… يد أصحاب الرايات هي العليا*
يُعدّ التوقيت عاملاً حاسماً في قراءة عوض. فالرد بدأ بعد وقت قصير من بدء الهجمات وكان كل ما تم تنفيذه في ظل واقع استهداف القيادة وغيابها، وهنا الإشارة إلى نقطة بالغة الخطورة بالقول ” إذا لم يكن استهداف القادة جزء من سياق سيناريو متكامل هدفه تصعيد البراغماتيين على حساب الراديكاليين” فإن كل ما شهده اليوم الأول من إطلاق رشقات صاروخية منظمة ومحكمة، واستهداف دقيق لمواقع وقواعد في الخليج والأردن والكويت،ضرب منظومات رادارية بعيدة المدى اطفأت عيون المراقبة التجسسية للقيادة الأمريكية والإسرائيلية.
إن استهداف قواعد في قطر والبحرين والكويت والعراق يمثل انتقالاً من “الرد الرمزي” إلى “الرد البنيوي” الكاسر ، بما يعني أن المعركة خرجت من نطاق المواجهة المحدودة إلى توسيع نطاق الاشتباك.
الدلالة الأساسية هنا أن
القرار بالتصعيد لم يكن ارتجالياً، بل جزءاً من مخطط معدّ سلفاً.
وهذا يعطي دلالة واضحة أن هذه الحرب ستتوسع جبهاتها بالضرورة وتمتد. رغم الحدث الجلل بكل ما تعنيه الكلمة على المستوى العسكري وإدارة الحرب وتماسك القدرة استعادت إيران السيطرة ونقلت المعركة نوعيًا.
*سادسًا: التدخل البري ساحة النصر الحاسمة:*
وهنا مساحة خاصة للعراق بوصفه نقطة ارتكاز استراتيجية ويُطرح العراق كمتغير قادر على قلب ميزان الردع، لأن تغيير وضعه يعيد صياغة التوازن الإقليمي برمّته فالحراك الشعبي للعراقيين نحو المنطقة الخضراء ويستحضر قول السيد نصر الله عن أن تحرير العراق وخروج الأمريكي من المنطقة سيؤدي إلى تحرير فلسطين ومن دون حرب.
والسؤال : هل غاب عن ذهن القيادة العسكرية الإيرانية نوعية وقوة الورقة العراقية؟ وهل يتقرر توجيه ملايين العراقيين إلى المنطقة الخضراء؟ وفي هذا السياق هناك رؤية مفصلية وهي هل يجري الاكتفاء بالتراشق الصاروخي؟ أين الباسيج والبحرية والقوات البرية؟ إن الجو لا يحسم معركة ويحدد منتصر ومهزوم وهي حرب لن تقف بالضرورة قبل أن تنجلي عن ثنائية منتصر ومهزوم واضحة وعليه إن دخول القوات البرية الإيرانية في تموضع عملياتي مؤقت داخل المناطق التي تتواجد فيها القواعد العسكرية الأمريكية سيعني انقلابا” خارج حسابات العدو وصدمة تفاجئ الخصم والحليف على السواء.
إن القراءة المتأنية لمسار الحدث كما عُرض تقود إلى استنتاج مركزي لسنا أمام جريمة اغتيال معزولة، بل أمام امتحان بنيوي لطبيعة الصراع ذاته. فإما أن ينجح الاغتيال في إعادة هندسة التوازنات الداخلية وفتح مسار سياسي جديد بشروط مختلفة، وإما أن يتحول إلى لحظة تعبئة استراتيجية تعيد إنتاج المعادلة على مستوى أعلى من التصعيد.
المكسب التكتيكي الذي يمكن أن يسجَّل لصالح كلٍّ من ترامب ونتنياهو لا يُنكر من زاوية القدرة على المبادرة والوصول إلى رأس الهرم. غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن النجاح العملياتي لا يساوي بالضرورة نجاحاً استراتيجياً، خصوصاً حين يكون الطرف المستهدف قد بنى شرعيته على سردية الصمود والتضحية.
الاختبار الحقيقي لا يكمن في الضربة الأولى، بل في ما يليها
هل تتماسك البنية القيادية وتفعّل بدائلها بسرعة وكفاءة؟
هل يُعاد تعريف قواعد الاشتباك؟
هل تنتقل المواجهة من مستوى الردع المتبادل إلى مستوى تغيير الخرائط السياسية؟
إن سرعة الرد واتساع نطاقه يوحيان بأن قرار المواجهة لم يكن ارتجالياً، وأن احتمالات الاستهداف كانت داخلة في حسابات مسبقة. وهذا يعيد النقاش إلى جوهر الحلقة هل الاغتيال كسر الإرادة، أم كشف عن عمق الجهوزية؟
في المنظور الذي قدمناه تتجاوز الحرب بعدها العسكري لتغدو صراعاً على هوية المرحلة المقبلة. العراق، الخليج، ميزان الردع الإقليمي، كلها عناصر في لوحة أكبر تفضي إلى نظام مختلف جذرياً؟
الحروب الكبرى، كما يعلمنا التاريخ، لا تُحسم بضربة واحدة ولا بخطاب واحد، بل بمسار طويل من التراكمات والاختبارات. وإذا كانت هذه الحرب قد وُصفت بأنها “وجودية”، فإن نتيجتها لن تُقاس بعدد الصواريخ أو القادة الذين سقطوا، بل بقدرة كل طرف على تحويل الصدمة إلى اتجاه.
بين لحظة الاغتيال ولحظة إعادة التوازن، يتحدد مستقبل العالم وما يجري اليوم قد لا يكون سوى الفصل الأول في معركة إعادة تعريف القوة والشرعية والسيادة.
🖋 ميخائيل عوض