كتاب وشعراء

ثم جئنا متأخرين …زكريا شيخ أحمد / سوربا

ثم جئنا متأخرين

قبل الفم كانت هناك همسة.

لم تكن أصواتاً و إنما ميلاً خفيفاً
بين شيئين يريدان أن يتجاورا.

الحجرُ حين احتكّ بالحجر
لم يصدر شرارةً فقط و إنما نطق .

و النهرُ حين انحنى حول صخرة
لم يغيّر مجراه فحسب و إنما صحّح جملة.

الريحُ تعرف قواعدَها
تبدأ خفيفة ثم تشدّد على الأشجار
ثم تضع سكوناً واسعاً فوق الحقول.

حتى الضوء
كان يكتب على الماء بلاغته المؤقتة.

لم يكن المعنى يحتاجُ إلى شاهد.
كانت الأشياء
تتفاهم دون أن تسمّي نفسها.

ثم جئنا متأخرين
قطعنا الهمسة إلى مقاطع
و وزّعنا الصمتَ على حروف
و أقمنا بين الصوت و معناه
جداراً من نحْوٍ و تعريف.

ظننا أننا اخترعنا اللغة،
بينما كنا
نقتبسُها من حوارٍ أقدم من الرئة.

ربما
حين نصمت طويلاً لا نعود إلى الفراغ،
بل نعود إلى النسخة الأولى من الكلام،
حين كانت الجبال تنادي بعضها
دون حاجةٍ إلى اسم.

اللوحة للألماني كاسبر ديفيد فريدريك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى