رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :إكذوبة الطفل الداخلي

ــ لن أحترم العالم طالما هناك طفل منكسر العينين* تشي جيفارا.
من النادر ان تقرا لكاتب او شاعر او روائي عربي لا يقول ان في داخله طفل يكتب لكننا لم نسمع من هؤلاء كلمة واحدة عن مذبحة طفلات مدرسة تقع في مدينة ميناب في محافظة هرمزكان جنوب شرقي إيران. أكثر من 230 مقعدًا فارغًا في المدارس الابتدائية والثانوية دفنوا في مقبرة جماعية.
الفضيحة ان حوالي 60 كاتبا ومثقفا من دول العالم أدانوا المجزرة ليس فيهم كاتبا عربيا واحداً ومن هؤلاء دارين شان من أيرلندا، آن برو-فوست من بلجيكا، آفي من الولايات المتحدة، ديفيد ألموند من المملكة المتحدة، دي وايت من أستراليا، استلي مزا من المكسيك، جين ويلسون هوارث من المملكة المتحدة، جاسبر وونغ سونغ من الدنمارك، ليز هايدر من المملكة المتحدة، ران فلاي غنرينغ من أيسلندا، وزليكا هوروات فوكليا من كرواتيا.
من إيران أيضًا وقّع البيان كل من آرمان آرين، ساره أرض بیما، نكار استخر، شهریار الوندي، زهرة شاهي سرایي، وبرنده علایي وهؤلاء من معارضي النظام.
فكرة ” الطفل الداخلي” التي يروج لها الأدباء العرب هي كليشة وشعار فارغ بلا معنى لاضفاء البراءة والعفوية على الكتابة لكن الواقع يكذب ذلك.
هؤلاء عشاق للطيور والازهار والأطفال على الورق لكنهم على استعداد لقتل كل الطيور وسحق كل الأزهار والصمت عن قتل الاطفال لو تضررت مصالحهم.
بصرف النظر عن الموقف من النظام الايراني، لكن ألا تستحق مذبحة الطفلات كلمة غضب أو رثاء أو حزن؟ وأين ذهب الطفل الداخلي الذي يكتب بالأنابة عن هؤلاء الأجلاف؟
هؤلاء يتحدثون عن طفل مجرد مصنوع من الكلمات بلا حياة للاستهلاك في حين لا يعني لهم الطفل الحقيقي القتيل شيئاً أكثر من خبر سياسي لا يصلح كمفردة في مقال أو قصيدة قد تغضب الممول.
سأكشف لمن لا يعرف “سر” هذا الصمت لأن غالبية هؤلاء يرتبطون بمؤسسات اعلامية ودور نشر ومهرجانات خليجية تفرض عليهم ضمنيا صمتا اجبارياً أو يخسرون* طبع كتب * خسارة دعوات ترفيهية واقامة في أرقى الفنادق* يخسرون مخصصات شهرية في الكتابة في الصحف* يخسرون أي فوز في جوائز أدبية*والخ.
أي المال أهم من دم مذبحة الطفلات وعلى استعداد لقتل طفله الداخلي المزعوم لكي يحافظ على مصالحه. حكاية” الطفل الداخلي” ليست سوى ” قناع” كاذب وأداة تجميلية. أين دهشة هذا الطفل المتخيل من المذبحة؟
طفل هؤلاء انتقائي ومجرد أكسسوار لغوي لخداع القارئ وتفضيل طفل النص على طفل الواقع ـــــــــــــــ الذي لا يقبض منه شيئا غير الخسارة ــــــــــــ والطفل الداخلي الوهمي هو الأنا المتضخمة المعادية للطفولة والطبيعة وكل الأشياء البريئة.
في الأزمات الكبرى عدد الذين يسقطون خارج ساحة الحرب سقوطاً أخلاقياً أكثر من الذين يسقطون داخلها من محاربين وعزل لكن سقوط الذين خارج الميدان صامت وسري وفي الحرب نكتشف الضمير الثقافي من القناع ومن الطفل الحقيقي الى الطفل المشوه والسلعة.
المأساة الإنسانية كاشفة كضوء في الظلام وفلترة أخلاقية وعندما ينهار القناع عن الطفل الداخلي المزيف نكتشف أيضا أنواعاً من تجار الاستعارات اللغوية وتجار الانتقائية وتجار الطفولة.
هذه فرصة لكي يستعيد القارئ العربي سيادته من قارئ الى ناقد وان يعرف لمن يقرأ وأين يضع احترامه كباقة زهور ليس على كل رقبة لأن الكتابة شهادة واشتباك مع طفولة قتلت علناً.
هذا ليس صمتاً بل” التواطؤ” المدروس بدقة، غطاء من السكوت للحفاظ على المصالح. نخبوية متعالية ترى في الأطفال أضراراً جانبية. أدب يعيش في ملفات ومكتبات لكنه ميت في عقول ووجدان الناس ولن يذهب الى المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى