
في البدء
كانت السماء تضيق بأنفاسها
يتوهج صدرها بسر خفي
يرتعش الضوء في عروقها
ينفلت ومضة تشبه اول اعتراف
تسري في الفراغ كرسالة لم تكتب بعد
ثم
ينادي الصوت من عمق الغيم
صوت ثقيل يشبه قلبا لم يعد يحتمل
يتدحرج عبر الجهات
يبحث عن أثر تلك الومضة
يتبعها بلهفة من يعرف الطريق ولا يصل
وبينهما
تنفتح المسافة على ارتباك شفيف
ترتعش الحواف
يولد التوتر من نظرة لم تكتمل
وتتسع السماء لأسئلة لا تنتهي
من أشعل الآخر ومن ينتظر
الضوء
يمضي مسرعا نحو انطفائه
يحمل في جسده حكاية العبور
ينكسر على أطراف السحاب
ويترك خلفه وهجا يشتاق للعودة
يخشى أن يبتلعه الصمت
والصوت
يتبعه كظل لا يهدأ
يرتطم بالفراغ ويعود
يعلن حضوره بكل ما أوتي من وجع
كأن الفقد يعلمه الصراخ
وكأن البعد يثقل حنجرته
حين
تكتمل الرعشة بينهما
تنفلت الدموع من جسد الغيم
تنساب خفيفة فوق الارض
تحمل دفء اللقاء المؤجل
وتسقي الوجوه التي انتظرت طويلا
الماء
يهمس بما عجز عنه الاثنان
يترجم الاشتياق بلغة شفافة
يطرق النوافذ برفق
ويغسل التعب عن ملامح الكون
كأنه يحتضن ما تبقى منهما
وفي النهاية
تعود السماء إلى سكونها
تخبئ الضوء في صدرها
وتطوي الصوت في عمقها
وتترك المطر شاهدا وحيدا
على قصة لم تقل
لكنها عاشت بكل ما فيها