رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :أقنعة الكراهية

ـــ «أكثر ما يكرهه القطيع هو إنسان يفكر بشكل مختلف»
*جان بول سارتر.
ما الذي يجعل القطيع يغلف كراهية المختلف بخلق الخداع بحجة الفضيلة والصواب وهي أقنعة للصرامة في السيطرة والتحكم؟
خطورة الكراهية في تغليفها وتجميلها وتحويلها الى ثقافة وسياسة وأخلاق وخلق الأسباب لها وبناء سيناريوهات ذهنية متخيلة في تخيل الطرف الاخر يعاني من اجل نشوة زائفة في دماغ منحرف سجين موقف وحادثة يجترها دائماً ولا تعيش في عقل غيره.
تشريح الكراهية كمشاعر سامة صفراء يضعنا في مواجهة نماذج شريرة مغلفة بأقنعة ثقافية وسياسية وأخلاقية متينة لكنها سريعة السقوط من مواجهة حقيقية لأن الشر سطحي بلا جذور عميقة. كيف تتحول الكراهية الى ثقافة في المجتمع المغلق؟
أقنعة الكراهية لا حدود لها وترتدي قناع السياسة والاخلاق والفضيلة والعقيدة لكنها تعكس أزمة شخصية نفسية يتم ترحيلها على أخرين في نوع من الاسقاط النفسي كوسيلة دفاعية لاخفاء الشعور بالدونية. الكراهية انحراف وجداني مغلّف قبل كل شيء لكن هذا التغليف والتمثيل مكلف ومرهق وآثاره الصحية الخفية مدمرة.
الكراهية وحدها مرض بصرف النظر عن الأسباب وتسمم الشخص نفسه وتحوله الى حالة زعفرانية شاحبة تشكل خطرا على كل طفل وحديقة وعلاقة وتستنزف الشخص نفسه لانها تحتاج الى طاقة كبيرة للحقد وتجعل الجسد في حالة تأهب دائم والبديل ليس بالضرورة الحب بل التفهم والتقبل واحترام المسافات والتجارب المختلفة.
هناك أشخاص عاشوا تجارب وجودية عميقة ومن ثقافة مختلفة يجدون صعوبة بالغة في بناء علاقات شخصية سطحية مع أي فرد وهذا الاختلاف من حقوق الانسان الطبيعية وليست من الحقوق السياسية والثقافية. هؤلاء لم يعودوا يبحثون عن تسلية بل عن المعنى وتتطور عند هؤلاء حاسة مرهفة في معرفة الصدق من الكذب والحقيقي من المتصنع.
التجارب العميقة تشكل جدارا يمنع السطحية والابتذال والتفاهة وتمنح الشخص نضجاً وجمالاً وموهبة الاختصار في كل شيء او الحسم لانه تجاوز مرحلة المرور الطويلة في التعارف وطوروا حدساً في معرفة العلاقات وما يظهر على هؤلاء كتكبر وغموض هو نوع من الزهد والتقشف وعمق هؤلاء ليس عائقاً بل مصفاة.
يقول نيتشه “انهم لا يكرهونك لانك مخطئ بل لانك خرجت من القطيع” أي أن الخوف الحقيقي ليس من المخطئ لأن الخطأ يمكن تصحيحه لكنه الخوف من المختلف لأنه تهديد لسلطة التشابه. المختلف يكسر العقد الاجتماعي غير المكتوب في ان يكون دائماً مع الجماعة.
لهذا السبب يتحول المختلف الى تهديد الذي يقتضي الحماية . القطيع يكره شجاعتك لا أنت لأنك تركتهم عالقين في نسخة أبدية. هؤلاء سيجدون ألف عذر لمهاجمة المختلف وعكس ما يعتقد هؤلاء الصراع ليس بين الخطأ والصواب بل بين الاستقلالية والامتثال وبين المختلف والمتطابق وبين الرؤية الذاتية ورؤية الجماعة.
نحن من الشعوب التي لا تدقق خلف الكلمات ونفسرها تفسيراًر حرفياً ولا نقوم بعملية قلب الموقف والتفكير العكسي Reverse Thinking استراتيجية قلب الامور والبحث عن وجوه خفية للحدث غير معلنة مناقضة للتلقين.
عبارات مثل: هذا غير مسؤول ومخطئ وبلا التزام والخ قد تعني شيئاً مختلفا في انه شخصية مستقلة لا تخضع لمعاييرنا ويهدد معاييرنا ويكسر الأمان الذي تخلقه قناعاتنا لذلك من النادر ان يوجد فلاسفة في هذا المجتمع المغلق وحتى علماء الذين قد يقتلهم او ينبذهم يوماً. مجتمعات بلا نخبة مفكرة ستمشي نحو المجهول وتحت رحمة السياسيين الجهلاء.
في المجتمعات المغلقة لا يفسر الاختلاف كوجهة نظر وشخصية مستقلة والحق في التفرد والتميز والحق في البحث وفي شرعية التفكير المستقل المسالم بل يفسر كخيانة وعصيان وتمرد لأن هذا النوع من المجتمعات يوهم الجميع ان قوته في التفكير في الاتجاه الواحد والوصول الى النتيجة الواحدة واستعمال قواعد التفكير نفسها لكن المختلف يفكك هذه القناعات والاوهام.
كيف تتشكل الهوية في المجتمع المغلق؟ تتشكل على ثنائية نحن مقابل هم ــــــــــــــــ خلق المختلف كعدو لا كمرآة ــــــــــ. . المختلف يربك هذه الثنائية وهم يفسرون الاختلاف كعدوى وباء يمكن ان تنتقل الى الاخرين وتهدد وحدة الجماعة وهي وحدة شكلية قسرية لان الوحدة في التنوع والتعدد والاختلاف كما في المجتمع المفتوح.
من هذه الزوايا يتم خلق العناوين المزيفة الاخلاقية كوصم للعزل وكما يقول كارل بوبر مؤلف” مفهوم المجتمع المفتوح”: “المجتمع المغلق يرى في النقد هجوماً، وفي الاختلاف تمرداً”.
الفيلسوف غرامشي الذي قضى سنوات في السجون الفاشية وقُتل كان يرى في الاختلاف مقاومة فكرية واخلاقية وواجبا وجوديا للمثقف ومرة في اجتماع حاشد وقف شخص في القاعة يصرخ في مواجهة غرامشي قائلاً:
” أنت مختلف، مختلف”.
إبتسم غرامشي وقال” وماذا يعني لو كنت مختلفا؟”.
في كل الاحوال عود ثقاب لن ينكسر ولن تسقط ورقة من شجرة. بهذه العبارة فكك غرامشي الخوف من الاختلاف الى الخوف من التطابق.
الهيمنة الثقافية لا تحدث في مجتمع مفتوح يحترم الاختلاف بل تحدث في مجتمع مغلق المسيطر عليه بالمال او السياسة او الافكار أو القوة أو التقاليد البالية لأن العقل الجماعي ليس قدراً ونسخة ثابتة بل هو بناء يمكن أن يُهدم ويعاد تشكيله كما حدث في المجتمعات التي أسست حداثتها والتي نعيش على منجزاتها العلمية والتقنية ونشتم العقل الذي أنتجها.
رفض العناوين الجاهزة واحترام الوعي المستقل والفردية لأن القطيع جدار عائق أمام تطور المجتمع ويحبسه في سجون عقلية لا تشيخ ولا تنكسر.
أخلاق المثقف في أن يرفض أن يكون نسخة مكررة لأن هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث للانسان أن يعيش بنسخة مقررة لا تنسجم مع ذاته ولا أحلامه كمن يعيش في قفص حديدي مغلق لكنه متنقل يسمح بالحاجات البدائية.
في القفص مشي وتنقل وأحلام لكن داخل القفص والحركة هنا دوران في الدائرة نفسها كما في حال ثيران النواعير التي تدور حول المكان مما يشعرها بوهم الحركة ووهم الأمان ومع الدوران المستمر ومع العادة والتكرار تفقد قدرة التمييز بين الوقوف والمشي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى