
كثيرٌ من التحليلات العربية والدولية،لا تزال أسيرة سطح الحدث: من ضرب من؟ ومن اخترق ماذا؟ وكأنّ الصراع يُختزل في بيانٍ عسكري أو مقطعٍ مصوَّر. غير أن ما يجري أعمق من ذلك بكثير.
فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بما يُعلن، بل بما يُعاد بناؤه في الخلفية؛ في خرائط النفوذ، وفي هندسة التحالفات، وفي الطريقة التي تُروى بها القصة نفسها.لهذا، فإن أخطر ما في هذه اللحظة ليس ما نعرفه، بل ما نظن أننا نعرفه. لأن اليقين السريع في زمنٍ معقّد ليس علامة فهم، بل غالبًا علامة نقصٍ في الرؤية.
قد نكتشف قريبًا أن جزءًا كبيرًا من السرديات السائدة لم يكن سوى قراءة مبتورة لمشهدٍ أكثر تركيبًا؛ مشهد لا يتعلق بـ“مستنقع” تغرق فيه الولايات المتحدة، بقدر ما يعكس إعادة تموضعٍ محسوبة تعيد من خلالها توزيع الأعباء، وتدير الفوضى بدلًا من السعي إلى إنهائها بالكامل. فالفوضى، في بعض اللحظات التاريخية، لا تكون خللًا في النظام… بل أداة من أدواته.
في هذا السياق، تصبح السردية سلاحًا موازيًا—وأحيانًا متقدمًا على السلاح العسكري. فليست كل ضربةٍ هدفها التدمير فقط، بل قد يكون هدفها الأعمق إعادة تعريف من هو المعتدي، ومن هو المدافع، ومن يملك حق تفسير ما يجري. ومن ينجح في فرض روايته، قد يسبقأو حتى يعوّض
فجواته في الميدان.
غير أن هذا لا يعني أن أي طرف يمتلك قدرة مفتوحة على فرض روايته أو حسم المعركة لصالحه. فكما أن التفوق العسكري لا يضمن الحسم، فإن التفوق السردي أيضًا يعمل ضمن حدود.
نحن، في جوهر الأمر، أمام معادلة أكثر توازنًا مما تبدو عليه في ظاهرها: نظام ردع متبادل، كل طرف فيه قادر على التأثير والإيلام، لكنه محكوم بسقف لا يستطيع تجاوزه دون كلفة باهظة.
لكن الإشكال لا يقف عند حدود القوى الكبرى. ففي الوعي الجمعي، تتشكل “بوصلة الخصم” بطريقة لا تخضع دائمًا للحسابات الجيوسياسية البحتة.
في الحالة المصرية، لا تزال إسرائيل تمثل الخصم التاريخي المتجذر، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل بفعل الذاكرة الممتدة من حروب كبرى مثل حرب أكتوبر 1973، وبفعل مركزية القضية الفلسطينية في تشكيل الوجدان العام. هذا الإدراك لا يتغير بسهولة، لأنه ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل جزء من بنية وعي تراكمت عبر عقود.
في المقابل، تُقرأ إيران في الغالب ضمن إطار مختلف: إطار المنافس أو الفاعل الإقليمي الذي تُقاس أدواره بميزان المصالح والنفوذ، لا بميزان الصراع الوجودي المباشر. هذا لا يعني غياب التوجس أو النقد، لكنه يعني أن هذا الدور نفسه محكوم بقيود واضحة: قدرة على الإيلام دون القدرة على الحسم، ومرونة في إدارة الشبكات دون القدرة على تحمّل مواجهة شاملة. فالفارق بين “خصم تاريخي” و”منافس جيوسياسي” ليس فارقًا لغويًا، بل فارق في عمق الإدراك وحدّة الموقف.
وهنا تتقاطع السردية مع الجغرافيا السياسية. فحين تُعاد صياغة المشهد الإقليمي عبر أدوات غير تقليدية شبكات نفوذ، جبهات متداخلة، ضغط اقتصادي، وحروب منخفضة الحدة—تصبح إعادة تعريف “العدو” نفسها جزءًا من المعركة. ليس بالضرورة لتغييره بالكامل، بل لإرباكه، أو لإدخال عناصر جديدة على معادلته، دون أن يعني ذلك أن أي طرف قادر على إعادة تشكيلها بالكامل وفق إرادته.
وفي الخلفية، يبرز عامل أقل صخبًا… لكنه الأكثر حسمًا: الزمن. في هذا النوع من الصراعات، لا يُقاس التفوق بعدد الضربات، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الكلفة لفترة أطول دون أن ينكسر. الاقتصاد، والقدرة على إعادة إنتاج القوة، والقدرة على الحفاظ على التماسك الداخلي كلها تتحول إلى عناصر حاسمة في معادلة لا تُحسم سريعًا.
لا تُخاض الحروب الحديثة بالصواريخ والطائرات فقط، بل أيضًا بالقصص التي تُروى عنها. ومن يملك القدرة على صياغة هذه القصص، لا يكتفي بتفسير الواقع… بل يشارك في صناعته. لكن حتى هذه القدرة تبقى جزءًا من توازن أوسع، لا أداة حسم مطلقة.