
ألاحظ حالة من التعاطف الشعبي الجارف مع إيران لدرجة اتهام كل من له رأي مخالف بأنه صهيوني أو متصهين (هكذا !).
والحقيقة أن هذه التهمة التي يرمى بها بعض الكتاب الآن كانت معروفة فقط في الصراع العربي الإسرائيلي في العقود الثلاثة الماضية.
الجديد الآن هو إطلاق هذه التهمة على كل من له رأي مخالف بشأن إيران.
وليس عندي شك في أن ظهور هذه الحالة يرتبط بما حدث في غزة في العامين الماضيين.
حالة الحزن الشديدة التي أصابت – كل من له قلب – جراء التدمير والإبادة التي تعرضت لها غزة جعلت كثيرين ينتظرون من ينتقم ويثأر لهم ….ما دام الجوار العربي وقف متفرجا.
واليوم، إذا قلت لأي متحمس لإيران إن لهذه الدولة مشروعات توسعية في العالم العربي، ستجد أن بعضهم يجيبك بأنه مستعد لأن يقبل بهذا التوسع ما دام في صالح الثأر لفلسطين.
يأخذنا هذا إلى المفارقة الأخرى التي أود الإشارة إليها وهي أنه قبل عقدين أو ثلاثة كانت دول الخليج العربي تخشى تعاطف المكون الشيعي داخل حدودها مع إيران وسياساتها.
لهذا المكون الشيعي في النسيج الديموغرافي الخليجي تعاطف ديني كبير مع إيران، الأغلبية منهم تعلي الانتماء للوطن السني المذهب الذي يعيشون فيه على التعاطف المذهبي مع إيران.
لكن في أوقات الشدة والتوتر والصدام يصعب الفصل الحاسم بين الولائين: ولاء المذهب وولاء الوطن.
تغيرت الأوضاع في دول الخليج في آخر 25 سنة بسبب سياسات داخلية محكمة: اقتصاديا وسياسيا ومعلوماتيا ومجتمعيا.
لقد صار المكون الشيعي في دول الخليج العربي السنية في وضع اقتصادي بالغ التقدم، لم يعد هؤلاء الشيعة هم أولئك الفئة التي تشتكي من التمييز أو التدني أو الإقصاء.
بل إنني أستطيع القول إن هناك تمييزا إيجابيا لهذا المكون في بعض الأماكن والدول.
بات المكون الشيعي في دول الخليج العربي مستفيدا من الطفرة النفطية والثراء وأصبح لديه ما يخشى عليه إن تعاطف مع إيران أو أظهر لها التأييد المكشوف بما يجعله أول المتضررين لو حدث أي صدام داخلي.
في البلاد السنية – خارج طوق النفط الثري – أصبح الجمهور العام يتمنى انتصار إيران حتى ولو على حساب خسائر فادحة في دول الخليج العربي..بما فيها سقوط دول الخليج العربي أمام إيران ..لا بأس !
وينقلنا هذا بدوره إلى سؤال مهم:
هل كانت فلسطين فقط وراء السبب في الموقف المتعاطف مع إيران لدى الجمهور العربي؟
ليس عندي شك أيضا أن بعض الدول العربية الثرية – مثلها مثل إيران – تدخلت في شؤون دول كثيرة في العالم العربي، سواء بدعم جماعات متحاربة أو دحر جماعات على غير مصلحتها مما تسبب في حالة عداء لهذه الدول وتمنى هؤلاء أن يصيبها نفس الكأس الذي تجرعت منه هذه الدول.
قبل أن نغادر هذه النقطة لابد من الحذر: فليس كل دول الخليج مارست هذه السياسات.
النقطة الأخطر في كل هذا هو أن مشاعر “يوم القيامة” أو “هرمجدون” تسيطر الآن في حالة اليأس على قطاعات واسعة من الشباب العربي المحبط الحزين مما حدث في غزة وفلسطين.
وهذا يجعلهم يقبلون بأية نتائج كارثية حتى لو كانت في صالح سقوط دول عربية بكاملها أمام القوة الإيرانية.
على هذا النحو فإن سياسات الإبادة التي تقوم بها إسرائيل في فلسطين (مع تفرج العالم العربي) قد عوضت إيران عن صمت وسكوت التشيع الديني في دول الخليج بتشيع سياسي جارف في بقية العالم العربي.