
استلاب
خمدَ البركانُ. استحالتِ السلسلةُ الجبليةُ سراباً مائياً باهتاً. انكفأَ التلُّ الأسودُ مدافنَ للنسيان.
تسمّرت كأنها هيكلٌ من أبنوسٍ يشقُّ بذراعيهِ العاريتينِ كبدَ السماءِ الزجاجية. يخترقُها القرصُ المتوهجُ. يصلبُها ذبيحةً للنور. يتمددُ ظلُّها أضخمَ من جذعِها. ينغرسُ أعمقَ من جذورِها.
يفغرُ فاهُه الواسعَ؛ يلتهمُ النورَ العاري.
خداعُ الأَبوابِ
تَكتُمُ الجُدرانُ أَنفاسَها، صَريرُ الخَشَبِ يَشي بِسرٍّ عَتيقٍ، المِلحُ الرّابِضُ فِي الشُّقوقِ يَلْسَعُ صَمْتَ العَتَباتِ، تَحتَ السِّياجِ، يَرتَجِفُ التُّرابُ مِن ثِقَلِ الحَذَرِ.
يَتَحَسَّسُ ثُقوبَ البيتِ كَأَنَّها جُروحٌ، يَحشوها بالإسمنتِ والكَبريتِ الأَصفَرِ، يَشدُّ قامَةَ السِّياجِ، يُرخِي جِفْنيهِ خَلْفَ البابِ الموصَدِ.. انحَسَرَ المَدى خَلفَ ظَهرِه.
فِي الزّاوِيَةِ المُعتمَةِ، جِلْدٌ مَنسَلِخٌ يَلْفِظُ ذِكرى جَسَدٍ، ومِن ثَقْبِ المِفتاحِ الصَّغيرِ، انسَلَّتْ أَفْعى بِنعومَةِ الماءِ، تَرَكَتْ لَه أَقْفالَهُ، ومَضَتْ تَتَنَفَّسُ بَرْدَ العَراءِ.
سَمَك
عَرَضَ الكُرسيَّ؛ قَدَمُ القَلَمِ تَلَمَّسَ نياشينَ التُّرابِ، حَدَّقَ فِي السَّقْفِ المُنخَفِضِ، وبَصَقَ عَلى الوَرَقَةِ، انتَصَبَ رَصاصَةً.. ماتَ واقِفاً.
مونتاج
طاوِلَةُ المُخرِجِ؛
أَكفانٌ وَرقِيَّةٌ؛
يَفتَحُ غِلافاً؛
صُراخُ أَطفالٍ.. دُخانُ مَدينَةٍ.
يَبتَسِمُ، يَكْبِسُ “كَتْمَ الصَّوْتِ”، يَصْفَعُ المِلَفَّ.
يَسيلُ ضوءٌ عَلى مَسرَحٍ جَديدٍ؛
يَنزِفُ المَنسِيُّ صَمتاً، يُبَلِّلُ حاشِيَةَ القَرارِ.
المُخرِجُ لا يَقْرَأُ؛
يُعيدُ تَرْتيبَ الجُثَثِ.. لِتَبْدُوَ أَقَلَّ ضَجيجاً.
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي