
يقوم التفاوض السياسي على ركائز عدة ابرزها :
أ- الذكاء في توظيف القوة المتاحة لتحقيق اكبر قدر من المكاسب او اقل قدر من الخسائر، وهذا يعني ان العلاقة بين ميدان المعركة وطاولة المفاوضات هي علاقة تكاملية ، وليس التفاوض هو فن المحاجة بل فن توظيف متغيرات القوة الميدانية في التفاوض على طاولة المفاوضات، فالتفاوض ليس للإقناع بل للإكراه على القبول مع مواراة القبول بالإكراه برداء حريري ناعم.
ب- دراسة الظرف الراهن من زاوية هل اقبل بمكاسب صغيرة تتراكم تدريجيا ام لا بد من تحقيق المكسب الكبير الفوري.؟ وما فرص كل من الخيارين؟
ت- التحقق من أن الصورة الذهنية التي يختزنها المفاوض عن الطرف الآخر هي صورة حقيقية وليست مبنية على الانطباع او الحد الادنى من المعلومات.
ث- ضرورة عدم التورط في “الوعود الكبرى” بالانجاز (على طريقة ترامب واحيانا الإيراني ) بينما الواقع الميداني لا يسمح بذلك .
ج- ادراك مستوى التفويض الذي يتمتع به وفد المفاوضات من قِبل حكومته ،اي حدود القبول والرفض الممنوح له.
وعند النظر في المواقف الايرانية “المعلنة” لا بد هنا من الاشارة للملاحظات التالية:
1- اعلنت ايران في مناسبات عدة وعبر مستوياتها السياسية كلها عن “فقدان ثقتها في الادارة الامريكية” بعد تعرضها لاكثر من خديعة، وهنا نتساءل هل العودة لطاولة المفاوضات مع الامريكيين هو بسبب توفر “بعض الثقة” في المفاوض الامريكي ؟ ام ان الدافع هو اقتناص ذكي من ايران فرصة شعور الطرف الامريكي ان تحقيق الاهداف لم يعد ممكنا، لذا لا بد من تحويل هذا الشعور الى التزام دولي.
2- تكرر في الخطاب السياسي الايراني –وبخاصة على لسان رئيس الوفد الايراني الى باكستان (قاليباف) على ان ايران لن تجلس الى طاولة المفاوضات الا بعد شمول لبنان في اتفاق وقف اطلاق النار (على اقل تقدير) ووقف الحرب على ابعده ، فهل الذهاب الى باكستان لا يعني الجلوس على الطاولة للتفاوض بل انتظاره لتحقيق المطلب الايراني بشمول لبنان في وقف القتال.
3- نجح الطرف الايراني في توظيف واضح لمضيق هرمز في الضغط على امريكا والعالم ، فهل ما اعلنته ايران في مناسبات عدة في حمى الحرب عن وضع قواعد جديدة لعبور المضيق من الدول الأخرى وفرض رسوم وتغليب موضوع العبور البريء على المرور العابر هو موقف تفاوضي ام قرار استراتيجي ؟ وهل لسلطنة عمان – بصفتها الشريك الثاني لايران في المضيق- تصور قد يدعم او يتحفظ او يعارض الموقف الايراني ؟
4- من الملاحظ ان محور المقاومة وقاعدته طهران شارك بمستويات متباينة ،اعلاها الى جانب ايران هو دور حزب الله ثم الحشد الشعبي ثم انصار الله دون مشاركة فلسطينية –لاسباب ميدانية معروفة-، فهل قضايا كل طرف من اطراف المحور ستعرض خلال المفاوضات –إذا جرت- طبقا لمستوى المشاركة، وهو ما يعني احتمال غياب الموضوع الفلسطيني عن طاولة المفاوضات ،وافتراض امريكا ان مجلس السلام الذي أنشأه ترامب هو صاحب القرار في هذا الشأن ؟ وهو ما يعني ان الدافع الذي تقدمه ايران لانخراطها في الصراع الشرق اوسطي اصبح موضع تساؤل، لان كل ما يجري هو فسائل على جذع شجرة القضية الفلسطينية.
5- سأفترض ان المفاوضات في باكستان نجحت ،وتم الاتفاق على وقف دائم للقتال بخاصة مع امريكا ، فهل هذا يعني ” طي توظيف نيتنياهو للقوة الامريكية المباشرة في الصراع مع ايران وتركه لوحده “؟ وهل سيلتزم ترامب- غير الملتزم بأي تعهد- ؟
6- ماذا لو اخل الطرف الامريكي (ومع ترامب تبقى البجعة السوداء هي الاساس) بالتزاماته ، هل سيدفع ذلك باكستان نحو علاقة اوثق مع ايران، وهل ستحاول باكستان لجم “الإحن بين ايران والسعودية خاصة ودول الخليج عامة”؟
7- لعل الدور الروسي والصيني في هذه المعركة هو الاكثر التباسا لدى اغلب القراءات السياسية للمواجهة، فهل يمكن مراقبة العلاقات الايرانية مع هاتين الدولتين خلال فترة ما بعد الاتفاق –إذا نجحت باكستان في مهمتها- ؟، فإذا تطورت العلاقة بينهما وبين ايران ، فذلك ما يشير الى ان دورهما كان اكبر مما بدا على السطح، ولكن إذا تراخت العلاقة فهذا دليل على ان ايران “شقيت بحسن ظنها”، وفي تقديري ان الصين تدرك انها ستكون في حاجة اكثر الحاحا لايران في العام القادم الذي نتوقع ان يكون عام الحسم لموضوع تايوان. ثم هل ستساند روسيا فكرة تخصيب اليورانيوم الإيراني على اراضيها؟
8- هل سيتعرض “الفكر السياسي الخليجي” من زاوية الموقف من ايران الى مزيد من الشك ام مزيد من الحذر من استمرار العداء لها ام احتمال تطور العلاقة معها بعد الهواجس التي بدأت تُطل حول دور القواعد الامريكية في حماية هذه الدول؟
9- هل تباين مواقف دول الخليج حول طبيعة العلاقة حاليا مع ايران سيفجر خلافات خليجية داخلية على غرار ما فجرته قبل فترة قصيرة طبيعة العلاقة الخليجية مع الحركات الدينية وبخاصة الاخوان المسلمين؟ ولا يحتاج المتابع لجهد كبير لقياس الشقة الواسعة بين الموقف الاماراتي من ايران وبين الموقف العُماني او بين الموقف البحراني والقطري من هذه العلاقة ؟
الخلاصة: لما كان الشرق الاوسط في مقاييس كل الدراسات المتخصصة هو الاقليم الأكثر عدم استقرار سياسي بين اقاليم العالم كلها ،وهو الاقل ديمقراطية، والاعلى “عسكرة”(Militarization)، والذي له مكانة جيواستراتيجية مركزية ،ناهيك عن ” ذهبه الاسود ” الذي يمثل غواية طاغية للسيطرة عليه من قِبل القوى القطبية في العالم،فإن القضية الفلسطينية هي التي تُكثف كل هذه الابعاد وتحيلها لحراك متواصل…انه عالم اعقد كثيرا جدا مما نسمع ونشاهد من مناقشات ثرة احيانا ومحزنة أحايين اخرى…ربما.