
يا لَهُ مِن شيءٍ عَجيب، هذا الذي بيننا… فلا هو حُبٌّ تامٌّ يَملأ القلبَ ويُسكِنُ الروح، ولا هو فِراقٌ حاسمٌ يُريحُ الجُرحَ ويُطفئُ الجمر. إنّما هو نِصفُ حال، كما يكونُ الفجرُ بين الليلِ والنهار، لا ظلامٌ مُريح، ولا ضياءٌ مُنير.
لطالما وقفتُ أمامَ هذا اللغزِ طويلاً، أُقلِّبُه بين يديَّ كما يُقلِّبُ المسافرُ حجراً وجدَه في الطريق، لا يدري أهو كنزٌ أم عبء؟! وكلَّما ظننتُ أنّي أمسكتُ بطرفِ الخيط انسلَّ منّي كأنّ الحقيقةَ تَأبى أن تُقامَ بين قلبَين لم يُكتَب لهما أن يلتقيا التقاءً تامّاً.
نحاولُ الاقترابَ فيَعترضُنا بُعدٌ غريب، كأنّ بيننا قدَراً أبكمَ لا يُفسِّر نفسَه ولعنةً صامتةً تَسكُن الفضاءَ الذي يَفصِلُ روحي عن روحِها. هكذا هو الحُبُّ حين يكونُ ناقصًا، يُذِلُّ صاحبَه إذلالاً لطيفاً، لا بالصُّراخِ والعَلَن، بل بهذا الصمتِ الثقيلِ الذي يَجثُم على الصدرِ في ساعاتِ الفجر.
أنا وهي… عِشنا العُمرَ نحلُم، وكان الحُلمُ جميلاً كما تكونُ الأحلامُ دائماً جميلة، لأنّ الحُلمَ لا يُكلِّفُكَ شيئاً حتى تَصحو. فلمّا صَحَونا وجدنا الذي طالَ به الحُلمُ بين أيدينا، إلّا أنّه كان كالماءِ في راحةِ اليد، كلَّما ضَممتَ أصابعَك أسرعَ في النزول.
أيُّ مُفارقةٍ هذه؟ أن تجدَ ما تبحثُ عنه ثمّ تظلَّ باحثاً! وأن تقبِضَ على شيءٍ وتشعُرَ أنّ يَدَيكَ خاليتان! كأنَّ ما بيننا كذبةٌ تَسكُنُها الصِّحَّة، وصِحَّةٌ تَلُفُّها الكذبة، وليس في الوجودِ أمرٌ أشدُّ إيلاماً من الحقيقةِ التي لا تستطيعُ أن تُسمِّيَها.
نِصفُ ضَحِكة… تلك التي تُشرِق على شَفَتَيها ثمّ تتوقَّف في منتصفِ الطريق كأنَّها تذكَّرَت أنَّ الفرحَ الكاملَ ليس لنا. ونِصفُ راحة… كتلك التي يَجِدُها المريضُ حين يَخِفُّ الألمُ قليلاً دون أن يَبرأ. وهكذا صِرنا نَحيا على الأنصاف، لا نَشبَع ولا نَجوع، لا نَلتقي ولا نَفترق.
وأشدُّ ما يُؤلمُ الروحَ في هذا كلِّه، أنّي لا أستطيعُ أن أكرهَها كُرهاً يُريحُني، ولا أن أُحِبَّها حُبّاً يَجمعُني. فصِرتُ أسيرَ هذا النِّصف، أسكُنُ في البَرزَخِ العاطفيِّ بين جنَّةِ الوِصالِ ونارِ الفِراق.
يا لَها من استحالة… تلك الكلمةُ التي صارَت تُوقِّعُ كلَّ لحظةٍ من لحظاتِنا كما يُوقِّعُ الشاعرُ قصيدتَه بالحَسرة. استحالةٌ أن نرتبطَ وقد أبَت الأقدارُ، واستحالةٌ أن نَنسى وقد أبَت القلوب.
فلا أنا قادرٌ على النِّسيان…
ولا هي جديرةٌ بالذِّكرى.
عمرو علي
مصر