رؤي ومقالات

محمد خالد الحسيني يكتب:بين عدن وباب المندب .. هل تخوض الدولة حرباً بلا استراتيجية

ما الذي يجري في عدن؟ ومن حاول إسقاط عاصمة البلاد المؤقتة، وما طبيعة المخطط الذي يجري الحديث عنه، وكيف تم كشفه؟ وهل ما تشهده المدينة من اختلالات أمنية وسياسية خلال الفترة الأخيرة يرتبط بما أعلنته الأجهزة الأمنية من مخططات لاستهداف القوات والمنشآت الحيوية؟

هذه الأسئلة لم تعد ترفاً سياسياً أو إعلامياً، بل أصبحت أسئلة دولة ومصير، فعدن ليست مجرد مدينة؛ إنها مركز سياسي ومؤسساتي واقتصادي، وأي اهتزاز كبير في أمنها واستقرارها لا يمكن فصله عن مستقبل ما تبقى من مؤسسات الدولة.

فقد أعلنت شرطة عدن إحباط مخطط لاستهداف قوات أمنية وعسكرية ومنشآت ومواقع حيوية، وقالت إن عملية أمنية أسفرت عن ضبط متهم والعثور بحوزته على عبوة ناسفة، بعد عمليات تحرٍّ ورصد ومتابعة.

وبحسب بيان الشرطة، كشفت التحقيقات معلومات عن عبوات أخرى وأهداف كان يُخطط لاستهدافها داخل المدينة، إلى جانب أشخاص قال المتهم إنهم مرتبطون بالمخطط، فضلاً عن معلومات بشأن مخططات لاستهداف مقرات حكومية وأمنية باستخدام طائرات مسيّرة.

هذه المعلومات، إذا ثبتت نتائجها عبر التحقيق والقضاء، تكشف عن مستوى مقلق من محاولات اختراق البيئة الأمنية في العاصمة المؤقتة.

لكنها في الوقت نفسه تستوجب عرض الأدلة والنتائج بشفافية، حتى لا تتحول الاتهامات إلى مادة للصراع السياسي، وحتى يعرف الرأي العام ما الذي حدث فعلاً ومن يقف وراءه.

وفي التوقيت ذاته، تبرز تطورات مقلقة في باب المندب والساحل الغربي، فقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر عسكرية حوثية معلومات عن زيارات لخبراء من الحرس الثوري الإيراني إلى مناطق قرب باب المندب، وعن أعمال حفر وتجهيزات وبحث تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر.

وهذه المعلومات تظل، بطبيعتها، روايات منسوبة إلى مصادر محددة وتحتاج إلى التحقق المستقل، لكنها تكتسب أهميتها من حساسية المنطقة وموقعها في معادلة الأمن البحري الإقليمي والدولي.

وهنا تتسع الصورة: قوات تقاتل في باب المندب والساحل الغربي، وحكومة تتحدث عن تهديدات للملاحة البحرية، وتحركات إقليمية ودولية متسارعة، وفي المقابل تواجه عدن محاولات استهداف واختراق من الداخل.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت القوات تقاتل في باب المندب والساحل الغربي، فمن يحمي عدن؟ ومن يمنع تحويل العاصمة المؤقتة إلى ساحة استنزاف أمني وسياسي؟

التجربة اليمنية لا تسمح بالاطمئنان إلى فكرة أن الجبهات ثابتة، ففي الحروب الطويلة قد تتحول مناطق تبدو آمنة إلى ساحات صراع خلال وقت قصير، وقد تتغير موازين السيطرة دون معركة فاصلة.

والخطر لا يكمن بالضرورة في هجوم عسكري مباشر على عدن، وإنما في سيناريو أكثر تعقيداً: استنزاف أمني، اضطراب سياسي، اغتيالات وتفجيرات، استهداف منشآت ومؤسسات، إرباك للقوات، وصراعات داخلية، ثم خلق واقع جديد يصبح التعامل معه لاحقاً أمراً مفروضاً.

ولا يعني ذلك أن سيناريو مماثلاً سيقع في عدن، ولا توجد معطيات كافية للجزم بذلك، لكنه يفسر لماذا يجب التعامل مع أي اختلال أمني في العاصمة بجدية استثنائية، ولماذا ينبغي ألا تنتظر الدولة حتى يتحول الخلل إلى أزمة يصعب احتواؤها.

وفي المقابل، من حق المواطن اليمني أن يسأل: ما جدوى المعارك الضارية وعمليات الكر والفر وسقوط الشهداء والخسائر المتراكمة إذا لم تؤدِّ إلى تغيير حقيقي في مسرح العمليات أو إلى نتيجة سياسية وعسكرية واضحة؟

هذا السؤال لا ينتقص من تضحيات المقاتلين، بل هو في جوهره احترام لهذه التضحيات، فالشهداء ليسوا أرقاماً في بيانات عسكرية، والحرب لا ينبغي أن تتحول إلى دائرة مغلقة من الهجوم والهجوم المضاد من دون هدف نهائي واضح.

المشكلة ليست في أن تكون المعركة طويلة، وإنما في أن تطول الحرب من دون أن يكون واضحاً إلى أين تقود.

فإذا كانت المعارك تهدف إلى حماية الملاحة وتأمين باب المندب، فيجب أن تكون هناك استراتيجية واضحة لذلك.

وإذا كانت تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة، فيجب أن تكون هناك خريطة طريق سياسية وعسكرية لتحقيقه.

وإذا كانت حماية عدن أولوية، فيجب أن تكون هناك منظومة أمنية وعسكرية وسياسية تجعل استهداف العاصمة أو شل مؤسساتها أمراً بالغ الصعوبة.

أما أن تتحول الجبهات إلى ساحات منفصلة، وكل قوة تقاتل وفق حساباتها، بينما تتآكل الدولة تدريجياً، فهذه مشكلة تتجاوز حدود التكتيك العسكري لتصل إلى جوهر إدارة الحرب نفسها.

وهنا يبرز السؤال الأكبر: من يدير المعركة؟ ومن يدير الحرب؟ من يحدد الأولويات؟ من يقرر فتح الجبهات أو تجميدها؟ من ينسق بين القوات؟ من يربط القرار العسكري بالقرار السياسي؟ ومن يقيس نتائج العمليات ويحاسب على الإخفاقات؟

الحرب لا تُدار بالسلاح وحده؛ إنها تُدار بالمعلومة والاستخبارات واللوجستيات والاقتصاد والدبلوماسية وتوحيد مراكز القرار.

وإذا بقيت هذه الأدوات موزعة بين مراكز نفوذ متعددة، فإن المشكلة لن تكون في شجاعة المقاتلين، وإنما في غياب الغاية السياسية والعسكرية الموحدة.

وفي الوقت الذي يستمر فيه القتال، تتحرك دول الإقليم والجوار والقوى الدولية وفق مصالحها وحساباتها، وتعيد الدبلوماسية جس نبضها للتعامل مع الوقائع التي تتشكل على الأرض.

وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها؛ فالدبلوماسية تتعامل في كثير من الأحيان مع الحقائق التي تفرض نفسها، لا مع الأمنيات.

ولهذا فإن ترك فراغ سياسي أو عسكري أو أمني يعني أن أطرافاً أخرى ستسعى إلى ملئه، وكلما طال أمد الحرب من دون بناء مؤسسات دولة قوية وقرار موحد، اتسعت مساحة اللاعبين الآخرين، وتراجعت مساحة القرار الوطني.

المطلوب اليوم ليس المزيد من الخطابات والبيانات، وإنما تشخيص صريح للخلل: هل المشكلة في تعدد مراكز القرار؟ أم ضعف التنسيق العسكري والأمني؟ أم سوء إدارة الموارد؟ أم غياب استراتيجية سياسية للحرب؟ أم أن المشكلة تكمن في كل ذلك مجتمعاً؟
والأهم من التشخيص هو امتلاك الشجاعة لمعالجة الخلل بسرعة وصدق وجدية وحزم، قبل أن تتكرر السيناريوهات السابقة، وقبل أن تتحول الخسائر البشرية والمادية إلى مجرد أرقام في سجل حرب طويلة لا يعرف أحد كيف تنتهي.

اليمن لا تنقصه التضحيات، ولا تنقصه الجبهات، ولا تنقصه البيانات، ما ينقصه هو قرار واضح، ومؤسسات قوية، وقيادة تعرف الهدف، وآلية موحدة لإدارة المعركة، وشفافية في تقييم النتائج، ومحاسبة على الإخفاق، واستراتيجية تحمي عدن وتربط مختلف الجبهات بهدف وطني واحد.

فأخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تخسر قوة معركة، وإنما أن تخوض الدولة حرباً طويلة من دون أن تعرف بوضوح كيف تريد أن تنهيها.

عدن اليوم تحت الاختبار، لكن الاختبار الحقيقي لا يخص عدن وحدها؛ إنه اختبار لقدرة الدولة على حماية ما تبقى منها، وعلى تحويل التضحيات إلى نتائج، والقوة العسكرية إلى استقرار سياسي وأمني، والجبهات المتعددة إلى استراتيجية واحدة.

فالوقت ليس محايداً، والميدان ليس محايداً، والإقليم لا ينتظر .. والسؤال الذي يجب أن يجيب عنه أصحاب القرار، بوضوح وشفافية، لم يعد فقط: كيف نواصل القتال؟ بل: إلى أين نريد أن نصل؟ ومن يدير الطريق؟ وماذا تبقى من الوقت قبل أن تفرض الوقائع نفسها على الجميع؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى