رؤي ومقالات

برحايل حمزه يكتب :الاقتصاد العالمي تحت الضغط الجيوسياسي: من الصمود إلى الهشاشة

لم تعد التحولات الاقتصادية العالمية تُفهم فقط من خلال النمو والتضخم وأسعار الفائدة؛ فقد أصبح الاقتصاد نفسه جزءًا من معادلة الأمن والاستراتيجية. ومع تصاعد التنافس الدولي، تحولت التجارة والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد إلى موارد للقوة، ومصادر محتملة للضغط والنفوذ.
وبعد عقودٍ كان فيها تعظيم الكفاءة وخفض التكلفة من أهم محركات العولمة، بدأت الدول تعيد النظر في معنى الاعتماد الاقتصادي. فالمشكلة لم تعد فقط في حجم الاعتماد على الخارج، وإنما في مواقع الاختناق داخله، ومن يملك القدرة على تحويلها إلى نفوذ عند الأزمات.
_ ومن هنا ينتقل الاقتصاد العالمي تدريجيًا من منطق «الكفاءة» إلى معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين الكفاءة والأمن والمرونة.
🔹 وتتجلى هذه الهشاشة الهيكلية في عدة مستويات:
🔸 سلاسل الإمداد والتكنولوجيا: لم تعد الدول والشركات تبحث عن أقل تكلفة فقط، بل عن سلاسل أكثر أمانًا وأقل تعرضًا للاضطراب الجيوسياسي. وينطبق ذلك أيضًا على الرقائق الإلكترونية والتقنيات المتقدمة والمعادن الحرجة، التي أصبحت جزءًا من التنافس على القدرات الصناعية والتكنولوجية المستقبلية.
وهنا تظهر المفارقة: تقليل الاعتماد قد يقلل المخاطر، لكنه قد يرفع التكلفة ويضعف بعض مكاسب الكفاءة التي قامت عليها العولمة.
🔸 الطاقة والغذاء: لم تعد الموارد الحيوية مجرد سلع اقتصادية؛ ففي سياقات الأزمات يمكن أن تصبح عناصر في معادلات القوة. واضطراب الإنتاج أو النقل أو الوصول إلى الأسواق قد ينتقل سريعًا من الاقتصاد إلى الأمن الغذائي والطاقوي والاجتماعي.
🔸 الديون والتضخم والتمويل: تؤدي الديون المرتفعة وتكاليف الاقتراض إلى تضييق هامش المناورة أمام بعض الاقتصادات، خصوصًا عندما تتزامن الضغوط المالية مع اضطرابات التجارة والطاقة والغذاء.
وهنا لا تكمن المشكلة في الصدمة وحدها، بل في قدرة النظام الاقتصادي على امتصاصها دون أن تتحول إلى أزمة ممتدة.
🔹 من الاعتماد المتبادل إلى «تسليح الاعتماد الاقتصادي»
لعل التحول الأعمق لا يكمن في نهاية العولمة، وإنما في إعادة تعريف الاعتماد المتبادل.
فالشبكات الاقتصادية التي بُنيت لتعزيز التبادل يمكن أن تتحول، في ظروف التنافس الجيوسياسي، إلى أدوات للضغط والنفوذ. وكلما ازدادت أهمية بعض العقد داخل هذه الشبكات، ازدادت قيمة القدرة على التحكم فيها.
وبذلك لا يختفي الاعتماد المتبادل، بل يتحول من مجرد شبكة لتبادل المنافع إلى فضاء تتقاطع فيه التجارة مع الأمن، والاقتصاد مع القوة، والاعتماد مع النفوذ.
الخلاصة:
قد لا يكون العالم بصدد نهاية العولمة، لكنه يشهد إعادة صياغة لقواعدها.
_ فالسؤال لم يعد: كيف نحقق أكبر قدر من الكفاءة؟ بل أصبح: كيف نحقق الكفاءة دون أن يتحول الاعتماد الاقتصادي إلى نقطة ضعف جيوسياسية؟
ومن هنا، فإن قوة الدول لن ترتبط بحجم اقتصادها فقط، بل بقدرتها على إدارة شبكات اعتمادها، وتنويع مصادرها، وتأمين مواردها الحيوية، وحماية سلاسل قيمتها، وبناء هوامش استراتيجية تسمح لها بامتصاص الصدمات.
إن التحول الأعمق قد يكون انتقال الاقتصاد العالمي من عولمة تبحث عن الكفاءة بأقل تكلفة إلى عولمة تسعى إلى الكفاءة مع المرونة والأمن.
_ سؤال للنقاش:
هل نحن أمام إعادة صياغة للعولمة وفق منطق جديد يجمع بين الكفاءة والأمن، أم أن الاعتبارات الجيوسياسية ستدفع نحو اقتصاد عالمي أكثر تجزؤًا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى