رؤي ومقالات

محمد خالد الحسيني يكتب :أين هي الدولة؟ سؤال اليمن الأصعب

المشكلة في اليمن اليوم لم تعد في نقص الأخبار، بل في غياب الإجابة عن أسئلة مفتوحة .. كل يوم جبهة جديدة، وكل ساعة بيان عسكري، وكل ليلة غارات وقصف وتحركات وتعزيزات، لكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً لدى اليمنيين أكبر من كل هذه التفاصيل: إلى أين تذهب هذه الحرب؟ وهل نحن أمام تحول حقيقي في مسار المعركة، أم أننا ندور مرة أخرى في الحلقة نفسها؟

المشهد العسكري تبدّل بالفعل خلال الأسابيع الأخيرة، اتسعت رقعة المواجهات من مأرب والجوف إلى تعز ولحج والساحل الغربي، وبرزت مرتفعات وممرات استراتيجية مرتبطة بطرق الإمداد وباب المندب.

كما تحدثت تقارير عن تقدمات ومحاولات تقدم متبادلة، فيما أكدت مصادر حكومية إحباط هجمات حوثية على طرق حيوية ومواقع في تعز ولحج.

وفي المقابل، لا تظهر حتى الآن مؤشرات كافية على اختراق استراتيجي حاسم أنهى قدرة أحد الطرفين على مواصلة القتال.

وهنا تكمن المفارقة: المعركة تتحرك، لكن مسار الحرب لم يتحرك بالقدر نفسه، لم تعد التطورات العسكرية مجرد اشتباكات محلية منفصلة.

هناك قوس متصل من الجوف ومأرب مروراً بتعز ولحج وصولاً إلى مناطق الساحل الغربي وباب المندب.

وهذا يعني أن أهمية المعركة لم تعد مرتبطة فقط بمن يسيطر على تبة أو جبل أو طريق، وإنما بمن يستطيع تحويل هذه المواقع إلى ميزة عملياتية وسياسية تغيّر ميزان الصراع.

لكن ينبغي الحذر من القفز من اتساع الجبهات إلى القول بوجود تحول استراتيجي مكتمل،
فالسيطرة على موقع، أو صد هجوم، أو تدمير آليات، أو إسقاط مسيّرة، مهما كانت أهميتها العسكرية، لا تعني بالضرورة أن الحرب دخلت مرحلة جديدة.

الاختراق الحقيقي له معنى مختلف: أن تتغير الخريطة، وأن تتغير معها القدرة على الحركة والإمداد والتمركز، وأن يفقد أحد الطرفين القدرة على إعادة إنتاج المعركة بالطريقة السابقة.

لأن الحرب اليمنية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين جيشين، بل شبكة معقدة من الجبهات والقوى المحلية والحسابات الإقليمية والمصالح الدولية، ولذلك فإن كثافة القتال لا تعني بالضرورة اقتراب الحسم.

قد ترتفع وتيرة المعارك دون أن يتغير ميزان القوة بصورة جوهرية، وقد تتغير مواقع الاشتباك من منطقة إلى أخرى دون أن يتغير جوهر الصراع.

وهنا يصبح الخطر أن يتحول التحرك العسكري نفسه إلى وهم بالتقدم، الجبهة تتحرك بضعة كيلومترات، لكن الحرب تبقى في مكانها.

والتطور الأكثر أهمية في المشهد الحالي ربما لا يكمن في عدد المواقع التي تغيرت، بل في ارتفاع القيمة الاستراتيجية للجغرافيا اليمنية.

فباب المندب لم يعد مجرد ملف يمني داخلي، ومجموعة السبع وصفت الوضع في اليمن بأنه تهديد للاستقرار والأمن الإقليميين ولأمن الطاقة العالمي، وكذلك لسلامة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وأكدت دعمها لوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه ولجهود المبعوث الأممي هانس غروندبرغ للوصول إلى تسوية سياسية يقودها اليمنيون.

وهذا يعني أن الحرب اليمنية دخلت بصورة أوضح في حسابات الأمن الإقليمي والدولي، لكن المفارقة أن ارتفاع الأهمية الدولية لليمن لا يعني بالضرورة ارتفاع قدرة اليمنيين على التحكم بمسار الحرب.

لسنوات، كان السؤال: متى تنتهي الحرب؟ ثم أصبح: من سينتصر؟ ثم: هل نحن أمام تسوية سياسية؟ واليوم يبدو أن السؤال الأعمق تغيّر:
هل توجد أصلاً استراتيجية وطنية واضحة لإنهاء الحرب؟

فالبيانات العسكرية كثيرة، لكن الرؤية السياسية أقل وضوحاً، والجبهات تتحرك، لكن الهدف النهائي لا يبدو واضحاً بما يكفي للمواطن الذي يدفع ثمن الحرب من أمنه ورزقه ونزوحه ومستقبل أبنائه.

ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي: هل نسير باتجاه الدولة؟
بل: أين هي الدولة؟
ليس المقصود الدولة كشعار أو بيان سياسي، بل الدولة باعتبارها قراراً موحداً، ومؤسسة عسكرية وأمنية، وهدفاً سياسياً، وسلطة قادرة على تحويل المكاسب الميدانية إلى مشروع وطني.

إذا كانت المعارك تتسع، لكن القرار السياسي لا يتوحد بالقدر نفسه، وإذا كانت الجبهات تشتعل، لكن المشروع الوطني الذي يربطها ببعضها غير واضح، فإن الخطر هو أن تتحول الحرب إلى مجموعة من المعارك الناجحة تكتيكياً والفاشلة استراتيجياً.

السيطرة على الطرق والمرتفعات وممرات الإمداد مهمة، خصوصاً في تعز ولحج ومأرب والساحل الغربي.

لكن القيمة الحقيقية لأي تقدم عسكري تظهر عندما يصبح جزءاً من اتجاه استراتيجي واضح.

أما إذا ظلت كل جبهة تقاتل من أجل هدفها الخاص، وكل قوة تقرأ المعركة من زاوية مصالحها المحلية، فقد نكسب مواقع ونخسر المعنى الأكبر للحرب.

وهنا يبقى السؤال: ماذا تغيّر في ميزان الحرب؟
إذا كانت الإجابة: لا شيء جوهرياً، فنحن أمام استنزاف.

أما إذا أصبحت هناك قدرة جديدة على قطع خطوط الإمداد، أو تغيير خريطة السيطرة، أو فرض معادلة عسكرية مختلفة، أو فتح الطريق أمام تسوية سياسية جديدة، عندها فقط يمكن الحديث عن تحول استراتيجي.

بينما تتصارع الأطراف على الجغرافيا، يتحول الإنسان اليمني إلى الطرف الأكثر هشاشة في المعادلة.

وهنا يصبح استمرار الحرب بلا أفق سياسي أكثر من مجرد مشكلة عسكرية، إنه تآكل للدولة والمجتمع والاقتصاد معاً.

كل جولة جديدة لا تنتهي بحسم ولا بتسوية لا تعيد اليمن إلى نقطة الصفر فقط؛ بل تبدأ الجولة التالية من نقطة أكثر سوءاً.

نعم، هناك مؤشرات واضحة على أن طبيعة المواجهة واتساعها ومناطق ثقلها تغيرت، وأن القتال أصبح أكثر ارتباطاً بالممرات الاستراتيجية والساحل الغربي وباب المندب، إلى جانب جبهات مأرب والجوف وتعز ولحج.

لكن القول إن ذلك يعني أن الحرب دخلت بالفعل مرحلة حسم نهائي سيكون سابقاً لأوانه.

الأدق أن نقول:
إن اليمن دخل مرحلة جديدة من التصعيد، لكن لم تتضح بعد ملامح المرحلة الجديدة من الحرب.

وهذا فرق جوهري، لأن التصعيد شيء، والتحول شيء آخر، والتحرك شيء، والاختراق شيء آخر،
والانتصار في معركة شيء، وتغيير مسار الحرب شيء مختلف تماماً.

المؤشر الحقيقي لن يكون عدد الغارات ولا عدد البيانات العسكرية، وإنما ما إذا كانت هذه المواجهات ستنتج تغيراً مستداماً في خطوط السيطرة والقدرة على المناورة والإمداد، وما إذا كان ذلك سيفتح نافذة سياسية حقيقية أم سيقود إلى جولة أطول وأكثر كلفة.

وهنا يعود السؤال إلى اليمنيين أنفسهم، لا بوصفه سؤالاً عسكرياً فقط، وإنما سؤال دولة:
ماذا نريد أن تكون عليه اليمن بعد انتهاء هذه المعركة؟

إذا لم تكن هناك إجابة واضحة، فإن كل انتصار ميداني سيظل ناقصاً، وإذا لم تكن هناك دولة قادرة على جمع البندقية والقرار والسياسة تحت مشروع وطني واضح، فقد تستمر الجبهات في الحركة دون أن يتحرك الوطن خطوة واحدة نحو نهايته الطبيعية.

اليمن اليوم لا يحتاج إلى معركة جديدة بقدر ما يحتاج إلى معنى جديد للمعركة، لا يحتاج المواطن إلى سماع أن جبهة اشتعلت أو أن هجوماً أُحبط فقط؛ يريد أن يعرف ماذا يعني ذلك لمستقبل بلده.

هل نحن نقترب من استعادة الدولة؟ هل تتشكل بالفعل معادلة عسكرية جديدة؟ هل تتحول الجبهات إلى مسار سياسي؟ أم أن البلاد تدخل دورة أخرى من الحرب والاستنزاف، حيث تتغير أسماء المواقع ولا يتغير جوهر المأساة؟

فالمشكلة لم تعد أن اليمنيين لا يملكون أسئلة،
المشكلة أنهم ملّوا الأسئلة، وينتظرون رؤية واضحة للاتجاه.

وفي نهاية المطاف، لن يكون الاختبار الحقيقي لمن يسيطر على جبل أو طريق .. الاختبار الحقيقي هو: من يستطيع أن يعيد لليمن معنى الدولة، وللحرب نهاية، وللسياسة قراراً، وللمواطن مستقبلاً؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى