كتاب وشعراء

أحبّكِ كأنّ قلبي وطنٌ يبحث عنكِ في الخراب.. رسالة حب بقلم الأديب الكبير: حامد الضبياني

حبيبتي،
أحبكِ بطريقة لا تشبه الحب الذي تعرفه القصائد، ولا ذلك الذي يُقال على موائد العاشقين ثم يُنسى عند أول غياب. أحبكِ كأن روحي وجدت فيكِ وطنها الأخير، وكأن قلبي، بعد كل ما مرّ به من خراب، لم يعد يريد من الدنيا سوى أن يسمع صوتكِ مرةً واحدة، ثم يطمئن. أشتاق إليكِ اشتياق أمٍّ تنتظر ابنها الذي خرج ذات صباح ولم يعد، اشتياق مدينةٍ أطفأت الحرب مصابيحها وبقيت نافذة واحدة مضيئة تنتظر عابرًا لا يأتي. أشتاق إليكِ بوجع وطنٍ طويل الحزن، وطنٍ ينام على جراحه ويستيقظ كل يومٍ وهو يسأل نفسه: متى يعود الذين أحببناهم؟ ومتى يصبح للفرح مكانٌ بين هذا الركام؟ حبيبتي!
أنتِ المرأة الوحيدة التي لم ينتخبها عقلي، بل اختارتها روحي قبل أن أعرف كيف أقاومها. أنتِ الاستثناء الذي لم أطلبه، والوجع الجميل الذي لم أُرد له شفاءً. أحبكِ وأنا أعرف أن المسافة بيننا قد تكون أكبر من قدرتي على الوصول، وأعرف أن حياتكِ تمضي في طرقٍ بعيدة، وربما لا تلتفتين إلى رجلٍ يقف وحده على حافة قلبه، يحمل إليكِ حبَّاً أثقل من الكلام. وربما كان أكثر ما يؤلمني أنني أحبكِ في زمنٍ أصبح فيه الإنسان غريباً حتى عن نفسه؛ زمنٍ يستطيع فيه البعض أن يبيع ضميره مقابل حفنةٍ من المال، وأن يصفق لمن أوجعه، وأن يعتاد الإهانة حتى تصبح عنده عادةً يومية. أرى الناس يتعبون، ثم يتعلمون كيف يبتسمون لجلاد التعب، كأن الجوع أقنعهم بأن الكرامة ترف، وكأن الخوف صار ديناً جديداً له أتباعه وصلواته. وأنتِ لا تعلمين كم أحتاجكِ في هذا الخراب. أحتاجكِ لا لأنني أريد أن أهرب من وطني، بل لأنني أريد أن أجد فيه شيئاً يشبهكِ؛ شيئاً نقياً لم تلوثه الصفقات، ولم تسرقه الشعارات، ولم تسحقه أقدام المتاجرين بأحلام الناس. أحتاج عينيكِ كي أتذكًّر أن العالم لم يمت كله، وأن في هذه الأرض قلباً يمكن أن يخفق دون أن يطلب ثمناً.
حبيبتي!
كنتُ أظن أن التعليم يفتح أبواب النور، فإذا بنا نرى المعرفة تتحول أحياناً إلى سلعة، والعقول الصغيرة تُسحب إلى شاشاتٍ تلمع أكثر مما تفكر، وأطفالاً يتعلمون أسماء الألعاب قبل أن يتعلموا أسماء الكتب. كبر الجهل حتى صار له منابر، وصار الصراخ أقوى من الحكمة، وأصبح لكل جاهلٍ من يصفق له، بينما يمشي العالم الحقيقي وحيداً،خائفاً من ضجيج الذين لا يريدون للنور أن يصل. كان لنا تاريخٌ يكتب نفسه بالحجر، وحضارةٌ كانت تعرف معنى أن يبني الإنسان شيئاً يبقى بعد موته. أما نحن، فأصبحنا أحياناً نعيش على صورة الماضي بدل أن نصنع مستقبلاً يستحق أن يُصوَّر. نرفع أسماء الأجداد، ثم ننسى أن أعظم وفاءٍ لهم أن نصبح جديرين بما تركوه لنا.
حبيبتي!
إذا سألتِني يوماً: لماذا تحبني بهذا العمق؟ فلن أملك جواباً يليق بكِ. سأقول فقط: لأنني حين رأيتكِ شعرتُ أن شيئاً في داخلي عاد إلى الحياة. لأنكِ لم تكوني امرأةً أحببتها فحسب، بل نافذةً فتحتها روحي في جدارٍ طويل من العتمة. ولأن بعض النساء لا يدخلن القلب، بل يعثرن على أرواحنا وهي تائهة، فيأخذن بأيدينا دون أن يقلن شيئاً. سأصلّي لكِ، لا صلاة العاشق الذي يريد امتلاك من يحب، بل صلاة الرجل الذي يعرف أن أجمل الحب أن يترك حبيبته في حماية الله. سأقول: يا رب، إن كانت بعيدةً عن عيني فلا تجعلها بعيدةً عن رحمتك، وإن لم أستطع أن أكون إلى جوارها، فكن أنت جوارها. احفظ قلبها من الحزن، وعينيها من الدمع، وخطواتها من الطريق الذي لا يليق بها. وأنا، يا حبيبتي، لا أريد منكِ وعداً، ولا أريد أن أحمّلكِ هذا الحب كما يُحمّل الغريب حقيبته في آخر الرحيل. يكفيني أن تعرفي أن في هذا العالم رجلاً أحبكِ بصدقٍ حتى صار حبكِ جزءاً من صمته، وأنه كلما رأى وطنه ينزف، وكلما رأى أمًا تنتظر، وطفلاً يحلم، وبيتاً أطفأته الحاجة، كان يبحث عنكِ في داخله كمن يبحث عن شمعةٍ صغيرة وسط مدينةٍ كاملة من الظلام.
أحبكِ، حبيبتي، لا لأنكِ أنقذتِني من وجعي، بل لأنني أحببتكِ وأنا موجوع. أحبكِ وأنا أحمل في صدري وطناً متعباً، وشعباً أنهكته السنوات، وذاكرةً لا تعرف كيف تنسى، وقلباُ كلما حاول أن يقسو عاد إليكِ أكثر رقة. أحبكِ بقدر آلام وطنٍ لم يجد بعد طريقه إلى الفرح، وبقدر دمعة أمٍّ تنتظر، وبقدر قلبٍ عراقيٍّ مازال، رغم كل شيء، يؤمن أن الحب يستطيع أن يبني من الركام بيتاً، ومن الحزن أغنية، ومن روحين متباعدتين وطناً واحداً لا ينهار.

بقلم: حامد الضبياني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى