علي أبو حبلة يكتب:سيناء ليست ورقة للابتزاز السياسي: تهديدات سموتريتش واختبار معاهدة السلام

إعداد وتحليل: المحامي
تفتح تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن احتمال استهداف شبه جزيرة سيناء، في حال نشوب مواجهة عسكرية مع مصر، باباً بالغ الحساسية يتجاوز حدود التصريحات السياسية العابرة؛ لأنها تتصل بأرض مصرية ذات سيادة، وبمعاهدة دولية أنهت عقوداً من الحروب المصرية–الإسرائيلية، وأرست ترتيبات أمنية وحدودية يفترض أن تشكل أساساً للاستقرار الإقليمي.
وبحسب التصريحات المتداولة، ذهب سموتريتش إلى القول إن مصر تدرك أن نتيجة أي حرب مع إسرائيل قد تعني فقدان سيناء، في خطاب يربط الحرب بإعادة فتح ملف الأراضي التي انسحبت منها إسرائيل بموجب اتفاقية السلام المصرية–الإسرائيلية الموقعة عام 1979.
هنا تكمن الخطورة السياسية والقانونية: فالسلام لا يكون قابلاً للحياة إذا تحولت الأراضي التي حُسمت سيادتها باتفاق دولي إلى أوراق تهديد في الخطاب السياسي.
سيناء في القانون الدولي ليست أرضاً متنازعاً عليها
من الناحية القانونية، استعادة مصر سيادتها على سيناء لم تكن نتيجة تفاوض سياسي مجرد، وإنما جاءت في إطار اتفاقية دولية وترتيبات انسحاب عسكري أعقبتها عودة السيادة المصرية على شبه الجزيرة عام 1982، بينما حُسم النزاع حول طابا لاحقاً بالتحكيم، وانتهى بعودتها إلى مصر عام 1989.
وبالتالي فإن الحديث عن «فقدان سيناء» في سياق حرب افتراضية لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد نقاش عسكري؛ إذ إن احتلال أراضٍ تابعة لدولة أخرى بالقوة أو محاولة إخضاعها لسيطرة عسكرية دائمة تصطدم بالمبدأ الأساسي في ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي.
كما أن القانون الدولي الإنساني لا يمنح القوة القائمة بالاحتلال حق اكتساب السيادة على الأرض المحتلة.
هل تمثل التصريحات تحولاً في السياسة الإسرائيلية؟
ينبغي هنا التمييز بين التصريح السياسي وبين القرار الرسمي للدولة.
حتى الآن، لا يعني تصريح وزير إسرائيلي، مهما كانت حساسية موقعه، وجود قرار حكومي إسرائيلي بشن عمل عسكري ضد مصر أو تعديل معاهدة السلام. وهذه نقطة مهمة حتى لا تتحول القراءة الإعلامية إلى تضخيم لسيناريو افتراضي لم يتحول إلى سياسة معلنة.
لكن خطورة التصريحات تكمن في طبيعة الرسالة السياسية التي تحملها، ولا سيما عندما تتناول أراضي دولة ترتبط بإسرائيل بمعاهدة سلام عمرها عقود.
ومن هذه الزاوية، فإن إعادة سيناء إلى خطاب التهديد قد تكون مؤشراً يستحق المتابعة السياسية والدبلوماسية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية شديدة التوتر.
الرد المصري: الردع يبدأ من السيادة
اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع المصري الأسبق، تعامل مع التصريحات باعتبارها جزءاً من خطاب سياسي إسرائيلي متشدد، مؤكداً أن الدفاع عن الأرض يختلف عن الحرب الهجومية، وأن مصر، وفق الطرح الذي قدمه، لا تسعى إلى الاعتداء، لكنها ستدافع عن أراضيها إذا تعرضت لهجوم.
وهذه النقطة تعكس قاعدة استراتيجية راسخة: الدول لا تقيس أمنها فقط بعدد الأسلحة، وإنما بقدرتها على حماية سيادتها ومنع فرض أمر واقع عليها.
ومن هنا فإن استحضار تجربة حرب أكتوبر 1973 لا ينبغي أن يكون بهدف استعادة منطق الحرب، بل لفهم حقيقة أن ميزان القوة في المنطقة لا يمكن اختزاله في التكنولوجيا العسكرية وحدها؛ فهناك الجغرافيا، والعمق الاستراتيجي، والقدرة البشرية، والتحالفات، والاقتصاد، والإرادة السياسية.
معاهدة السلام أمام اختبار جديد
منذ توقيع معاهدة السلام عام 1979، حافظت مصر وإسرائيل على إطار المعاهدة رغم أزمات إقليمية وحروب متعددة. ولذلك فإن الحفاظ عليها لا يخدم طرفاً واحداً، وإنما يمثل مصلحة إقليمية ودولية مرتبطة بأمن المنطقة.
غير أن استدامة السلام تتطلب احترام أساسه القانوني والسياسي، وفي مقدمته احترام السيادة الإقليمية والامتناع عن التهديد باستخدام القوة.
والأهم أن أي خلاف سياسي أو أمني بين دولتين لا يمنح أحدهما حق إعادة رسم الحدود بالقوة.
الخلاصة: سيناء خط أحمر قانوني قبل أن تكون خطاً أحمر عسكرياً
إن أخطر ما في تصريحات سموتريتش ليس أنها أعلنت حرباً على مصر، فهي لم تفعل ذلك، وإنما أنها تعيد إلى الخطاب السياسي فكرة التعامل مع الأراضي والسيادة باعتبارها أدوات يمكن التلويح بها في لحظة صراع.
وفي منطقة دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الحروب، يصبح ضبط الخطاب السياسي جزءاً من مسؤولية منع التصعيد.
سيناء ليست مجرد مساحة جغرافية في الحسابات العسكرية؛ إنها جزء من إقليم دولة ذات سيادة، وعودتها إلى مصر ارتبطت باتفاق دولي وترتيبات قانونية واضحة.
لذلك فإن الحفاظ على السلام المصري–الإسرائيلي لا يتطلب فقط استمرار الاتفاقيات، بل يتطلب أيضاً احترام قواعد القانون الدولي، والامتناع عن التهديدات التي تمس سلامة أراضي الدول، وإبقاء الخلافات ضمن الأطر الدبلوماسية والقانونية.
فالردع الحقيقي لا يبدأ من التهديد بالحرب، وإنما من إدراك الجميع أن خرق قواعد القانون الدولي قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، وأن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم على منطق القوة وحده، بل على احترام السيادة والحدود والالتزامات الدولية.