كتاب وشعراء

دَفَتانِ مِنْ زُجَاج.. بقلم الأديبة العراقية: ماري العميري

تجلسُ الفكرةُ في خافيتها الأولى،
كرفٍّ مهجورٍ لم يزره جدارٌ منذ سنين.
​أطعمْتُ الوقتَ صباحاً قطعةَ نردٍ فارغة،
لكنّه رفضَ التدحرجَ كعادته،
وفضّلَ أن يقفَ خائفاً على الحافةِ الناعمةِ لظلّ الأريكة.
​شخصٌ ما، يملكُ يدينِ أطولَ من اللازم،
يعيدُ ترتيبَ الصمتِ في زوايا الغرفة،
يعلّقُ الساعاتِ القديمةَ على المساميرِ دون أن يكترثَ لمعرفة الوقت؛
كان يكفيهِ فقط أن يرى عقربَ الدقائقِ وهو يحاولُ تسلّقَ الرقمِ اثني عشر،
ثم يسقطُ من التعب،
ليبدأَ المحاولةَ من جديد.
​المدينةُ من الخارجِ تُشبهُ ثوباً قُدَّ من الحصى،
تسمعُ حركةَ الخطواتِ وهي تحكُّ الجلدَ الجافَّ للرصيف.
أما بائعُ الخبزِ فكانَ يفرزُ الأكياسَ بحسبِ قساوتها:
الأكياسُ اللينةُ للذين لم يستيقظوا بعد،
والأكياسُ الصلبةُ للذين كفّوا عن انتظامِ التنفس.
​عند المحطة،
تركتُ تذكرةَ السفرِ داخلَ فنجانِ القهوة،
أردتُ أن أعرفَ إن كانت الوجهةُ تتغيرُ إذا نقعناها بالمرارة.
لكنّ اسمَ المكانِ ظلَّ محفوراً كحفرةٍ على جدارِ قلعةٍ مهجورة،
حفرةٍ يتجمعُ فيها ماءُ المطرِ ليغرقَ فيها الذبابُ الصيفي.
​في المساء،
عندما تنخفضُ الأصواتُ وتتحولُ إلى خيوطٍ رمادية،
أضعُ كفّي على النافذةِ وأغلقُ الشبابيك،
أقيسُ البُعدَ الحزينَ بين دفتي الزجاج:
هنا هواءٌ يرتجفُ من البرد،
وهناك هواءٌ يرتجفُ لأنّ أحداً لم يعد يرغبه…
ولا شيءَ أثقلَ في هذا العالم
من هواءٍ يدركُ أنّه بلا أسطوانة.

بقلم:
ماري العميري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى