كتاب وشعراء

لماذا لا نسافر إلى أنفسنا؟… بقلم كاتب عبد المجيد عبوبي

كان الغرب، في لحظات كثيرة من تاريخه الحديث، يعرف كيف يحوّل المدينة إلى نص، والمتحف إلى ذاكرة، والسفر إلى وسيلة لقراءة الذات. فباريس ليست مدينة يُزار فيها برج فحسب، بل هي مكتبة مفتوحة في الهواء؛ ولندن ليست عاصمة فقط، بل أرشيف حي للإمبراطورية والحداثة والنقد؛ وروما ليست آثارًا متراكمة، بل سؤال مفتوح عن الزمن والسلطة والجمال.
أما نحن، العرب، فنملك مدنًا كانت يومًا عواصم للمعرفة والخيال والفن: القاهرة التي أنجبت السينما والرواية والصحافة، بغداد التي كانت قلب الترجمة والفكر، وبيروت التي جعلت من النشر بوابة إلى العالم، وفاس التي ظلت مدرسة وعلمًا وحرفة وذاكرة. ومع ذلك، بدا وكأننا نعرف هذه المدن من بعيد، أكثر مما نعيشها من الداخل.
السؤال الحقيقي
لماذا لا نسافر إلى أنفسنا؟
لماذا يعرف كثير منا تفاصيل باريس أو لندن أو إسطنبول، ولا يعرف قاهرة نجيب محفوظ، ولا بغداد المتنبي، ولا فاس ابن خلدون؟ لماذا صار السفر إلى الخارج علامة على الانفتاح، بينما بدا السفر داخل العالم العربي أحيانًا كأنه رحلة إلى الماضي أو إلى الأزمات؟
ربما لأننا فقدنا، لا حب المعرفة، بل البنية التي تجعل المعرفة تجربة مشتركة. فالغرب لم يقتصر على امتلاك المتاحف والجامعات والمكتبات، بل صنع شبكة رمزية تربط الفرد بالمدينة، والمدينة بالتاريخ، والتاريخ بالحاضر. أما نحن، فقد تفككت هذه الشبكة بفعل الحروب والحدود والأنظمة والاقتصاد والنسيان.
المدينة كنص
المدينة ليست مجموعة مبانٍ، بل نص يمكن قراءته. وفي كل زقاق من فاس حكاية عن العلم والحرفة والصمت؛ وفي كل شارع من القاهرة طبقات من السينما والثورة والرواية والنسيان؛ وفي بغداد ذاكرة تمتد من بيت الحكمة إلى المتنبي، من الترجمة إلى الحصار، من الازدهار إلى الجرح.
لكن قراءة المدينة تحتاج إلى قارئ. ولا يصير الإنسان قارئًا لمدينته إلا إذا اعتبرها جزءًا من ذاته، لا مجرد مكان يعيش فيه أو يمرّ من خلاله.
هنا تكمن المفارقة: نحن نملك مدنًا غنية بالمعنى، لكننا نتعامل معها كخلفية، لا كنصوص. نمرّ أمامها، ولا ندخل إليها.
القراءة والسفر
القراءة والسفر، في جوهرهما، عمليتان متشابهتان. فالقراءة تنقلنا إلى عالم آخر دون أن نتحرك، والسفر ينقلنا إلى عالم آخر دون أن نترك أجسادنا. وكلاهما يكسر حدود الذات، ويجعل الإنسان يرى ما اعتاده بعين جديدة.
لكن حين تتحول القراءة إلى استهلاك سريع، والسفر إلى تصوير واستهلاك، تفقد الاثنتان معناهما. فلا يكفي أن نزور مكانًا، بل يجب أن نسأل: ماذا يقول هذا المكان عني؟ ماذا يكشف عن ذاكرتي؟ وما الذي يغيّر في نظرتي إلى العالم؟
الغرب، رغم كل تناقضاته، ما زال قادرًا على إعادة إنتاج هذه التجربة. أما نحن، فقد بقي لدينا الإرث، لكنه غالبًا معلّق بين التراث الميت والمتحف المغلق والسوق السياحي.
أسباب الغياب
ليس الغياب ظاهرة نفسية فقط، بل هو أيضًا نتيجة تاريخية وسياسية واقتصادية.
فالحروب قطعت الطرق بين المدن، والحدود جعلت من الرحلة العربية معركة إدارية، وضعف النشر والترجمة والمكتبات أفرغ المعرفة من حضورها اليومي. كما أن التعليم، حين يتحول إلى شهادة ووظيفة، لا يُنتج إنسانًا يرى في السفر والقراءة أداتين لفهم الذات، بل يُنتج مستهلكًا للمعلومات.
وهناك سبب أعمق: الخوف من مواجهة الذات. فزيارة بغداد أو دمشق أو فاس ليست رحلة سياحية فقط، بل لقاء مع تاريخ مؤلم ومعقد، ومع أسئلة لم تُحل بعد. أما السفر إلى الخارج، فقد يمنح وهمًا بالانتماء إلى عالم أكثر تنظيمًا وجمالًا، بعيدًا عن تعقيدات الذات.
استعادة المعنى
لا يكفي أن نبني متاحف أو ننظم مهرجانات، بل يجب أن نعيد للمدينة معناها كفضاء للمعرفة والحوار والذاكرة. أن نجعل من القاهرة ليست أهرامات فقط، بل رواية وسينما وصحافة؛ ومن بغداد ليست أسماء تاريخية فقط، بل ترجمة وفكرًا وشعرًا؛ ومن فاس ليست أزقة فقط، بل مدرسة وحرفة وروحًا.
عندما يصبح السفر داخل العالم العربي رحلة معرفية، وعندما تعود القراءة إلى كونها تجربة وجودية لا استهلاكًا رقميًا، عندها فقط قد نستعيد قدرتنا على السفر إلى أنفسنا.
الخاتمة
ربما لم نفقد حب المعرفة، بل فقدنا القدرة على رؤية معرفتنا في مدننا ووجوهنا وذاكرتنا. فالغرب يقرأ مدينته لأنه يراها امتدادًا لذاته، ونحن ننسى مدينتنا لأننا لم نعد نراها إلا كخلفية.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: هل يقرأ العرب؟ أم هل يسافرون؟
بل: هل ما زلنا قادرين على أن نرى في قاهرتنا وبغدادنا وفاس مرآة لذواتنا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى