كتاب وشعراء

الأدب الصوتي والبودكاست: سرديات ما بعد النص.. بقلم الكاتب: ماجد القيسي

لم يكن الصوت طارئاً على تاريخ الأدب، فقد عرف الإنسان الحكاية قبل أن يعرف الكتابة، وتناقلت الأجيال الملاحم والأساطير عبر الرواة والحكواتيين. ومع انتشار الكتاب المطبوع، أصبحت العين الوسيلة الأبرز لتلقي الأدب، لكن التحول الرقمي أعاد الصوت إلى واجهة المشهد الثقافي، لا بوصفه وسيلة لاستعادة الماضي، بل باعتباره مجالاً لتجريب أشكال سردية جديدة. ومن هنا يبرز السؤال: هل يمثل الأدب الصوتي والبودكاست مجرد قراءة مسموعة للنص المكتوب، أم أنهما يؤسسان لطرائق مختلفة في إنتاج الحكاية وتلقيها؟
يقصد بسرديات ما بعد النص، في هذا السياق، تجاوز حدود الصفحة المطبوعة إلى فضاء تتداخل فيه اللغة المنطوقة مع الأداء والإيقاع والصمت والموسيقى والمؤثرات الصوتية. فالكلمة المسموعة لا تصل إلى المتلقي بمعناها اللغوي وحده، بل تحمل معها نبرة الراوي، ودرجة انفعاله، وتردده، وطريقة وقوفه عند الجمل. وقد يمنح الصمت لحظة انتظار، أو يكشف الصوت المرتجف خوفاً لا تصفه الكلمات مباشرة. وهكذا يصبح الصوت عنصراً في بناء المعنى، لا مجرد وعاء لنقله.
ويكشف هذا التحول عن اختلاف بين الكتاب الصوتي والدراما الصوتية. فالكتاب الصوتي يقدم نصاً مكتوباً في صورة مسموعة، مع احتفاظه غالباً ببنيته الأصلية، بينما تبني الدراما الصوتية عالماً متكاملاً من الأصوات والحوار والموسيقى وتعدد الشخصيات. وفي الحالتين، تتغير تجربة التلقي؛ إذ يستطيع المستمع متابعة العمل أثناء التنقل أو العمل، وتتكون علاقته بالراوي من خلال نبرة قريبة تمنح السرد طابعاً حميمياً. كما يتحرك خياله بين ما يسمعه وما يتصوره من أماكن وشخصيات وأحداث، من دون أن يتلقى صورة بصرية جاهزة بالضرورة.
وقد أتاح البودكاست القصصي والوثائقي أشكالاً تمزج السيرة بالتوثيق والحكاية الفنية. وأصبح تصميم الصوت وسيلة لبناء التشويق، وتوزيع المعلومات، وإخفاء بعض التفاصيل أو الكشف عنها تدريجياً. كما ظهرت أعمال تُصاغ لتناسب الاستماع منذ البداية، وأخرى تنتقل بين الكتابة والتسجيل والمنصات المرئية، في علاقة تتجاوز حدود الوسيط الواحد.
غير أن هذه الإمكانات تطرح تحديات نقدية. فقد يفرض المؤدي تأويلاً خاصاً للنص من خلال نبرته، فيوجه مشاعر المستمع ويحد من احتمالات القراءة. وقد تضعف المؤثرات المبالغ فيها اللغة الأدبية أو تحوّلها إلى خلفية للصوت. كذلك يثير الانتشار الرقمي سؤال حفظ الأعمال وأرشفتها، لأن سهولة الوصول إلى التسجيل لا تضمن بقاءه أو توثيق نسخته الأصلية.
لذلك يحتاج النقد الأدبي إلى أدوات تدرس النص والأداء والإخراج والإيقاع والعلاقة بين الصوت والمعنى، بدلاً من الاكتفاء بتحليل الكلمات المكتوبة. فالأدب الصوتي ليس بديلاً عن الكتاب، بل امتداد لتاريخ الحكاية في وسيط جديد. ومع تطور الذكاء الاصطناعي وتقنيات الصوت المكاني، قد يصبح المستمع أكثر انغماساً في العالم السردي، لكن قيمة التجربة ستظل مرتبطة بقدرتها على ابتكار المعنى وإثارة الخيال، لا بمجرد إبهار الأذن

بقلم: ماجد القيسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى