كتاب وشعراء

الرجل الذي لم يوقظه أحد ….بقلم نعمان رزوق

١ –
حين رأيتُها أول مرة…
ظننتُ أني دخلتُ إعلانًا عن دواءٍ مهدّئ،
أو مشهدًا محذوفًا من فلمٍ فلسفيٍّ رديء.
سألتُ بائعَ الجرائد:
“هل مرّت الحربُ من هنا؟
أم أن هذا الجمالَ مجرّدُ خدعةٍ بصريّة؟”
ضحك…
وأعطاني صحيفةً قديمةً،
وإبرةً صغيرةً
قال إنها تناسب حالتي أكثر من الحب.
ثم أشار إلى مقهى مهجور وقال:
“في الداخل تركها رجلٌ مثلك
على الطاولة،
وغاب في نشرة جوّيّة عن الخريف.”
دخلتُ…
وجدتُ فنجاناً ما زال دافئاً،
وقصيدة بلا توقيع تقول:
“أنا جميلةٌ بما يكفي
لأُربك شارعاً كاملاً،
لكنني لا أُجيد البقاء.”
جلستُ هناك ساعاتٍ طويلة،
أتفقّد وجهي في مرآة الملعقة،
وأسأل النادل عن آخر من جلس هنا.
قال:
“كان يتكلّم كأن قلبه يحمل قنبلة،
ويضحك كأن العالم لا يستحقّها.”
فتركت له ورقةً وقلماً،
وكتبتُ:
“لم أكن عاشقاً،
كنتُ فقط بحاجةٍ
لمن يقول لي:
مكانك ليس هنا.”
٢ –
في المرة الثانية التي رأيتها،
كنتُ أحمل كيسًا من الخبز،
ونشرةً جويةً تتنبأ بموجة باردة في القلب.
سألتُها دون أن أتكلم:
“هل أنتِ حقيقية،
أم أنني اخترعتك كي أبرر
فشلي في نسيان امرأةٍ قبلَك؟”
فابتسمت كما تبتسمُ فتاةٌ
تعرف جيدًا
أنها السبب في انقراض الشعراء.
ثم مرّت بي كأنني شرفةٌ بلا مقعد،
وتركتني أتفحص ظلّي
لأتأكد إن كنت ما زلتُ هناك.
٣ –
في اليوم الثالث،
لم أرها…
لكنني اشتريتُ قميصًا جديدًا،
وجلستُ في المقهى نفسه
كمن يرتّب نفسه للصدفة.
أخذتُ أدوّن أسماء المارّة
في دفتر صغير،
وأتخيل كيف سيكتب كلٌّ منهم
عن امرأةٍ لم يرها،
لكنها كانت سببًا في استيقاظه.
النادلُ بات يعرفني،
يسكب القهوة على مهل،
ثم يقول:
“حين تبدأ بتأليف الوجوه،
اعرف أنك دخلتَ مرحلة الشفاء…
أو الجنون.”
ضحكتُ وقلت:
“وماذا لو كان الجنونُ هو شكلُ الشفاء
الذي تأخّر عن موعده؟”
٤ –
في اليوم الرابع
أعادني الطريق إليها،
لكنها لم تكن هناك…
فقط إعلانٌ جديد
عن عرضٍ على الأحذية الشتوية،
وظلالُ نساءٍ
يشبهنها في الخطوة
لا في الغياب.
جلستُ على المقعد المقابل
ونظرتُ إلى انعكاسي في زجاج المحل،
فبدوتُ كمن عاد من الحرب
دون جثته،
يحمل شهادة وفاته
ويطلب تخفيضًا على النسيان.
جاء طفلٌ صغير وسألني:
“هل تنتظر أحداً؟”
قلت:
“أنتظر ألّا أنتظر.”
ثم أعطيته دفتري،
وقلت له:
“ارسم امرأةً،
لكن إياك أن تُكمل وجهها.”
٥ –
في اليوم الخامس
لم أذهب إلى المقهى،
ولا إلى الشارع،
ولا حتى إلى الحلم.
جلستُ قبالة المرآة،
أقلب دفاتري كمن يفتّش
في بقايا المعركة عن سببٍ نبيل للهزيمة.
سألتُ نفسي بصدقٍ فجائيّ:
لماذا كتبْتُ كلّ هذا
عن امرأةٍ
لم تلتفت نحوي ولو مرّة؟
فهمتُ فجأة…
أنني لم أحبّها كما ظننت،
بل أحببتُ نفسي
وهي تتهجّى حضورها…
كأنها تقرأُ الحياةَ
لأول مرة.
٦ –
في اليوم السادس
استيقظتُ على صوتٍ يشبهني.
لم يكن داخلي،
ولا خلف الباب،
كان كأنني أُسْمِعُ نفسي
من مكانٍ آخر
لم أعشه بعد.
فتحتُ دفتري،
فوجدتُ رسمًا لطفلٍ بلا ملامح
وأمرأةٍ نصفُ وجهها ظلّ،
والنصف الآخر…
كان يشبه أمّي
حين كانت تبكي بصمت
في الغرفة المجاورة.
شيءٌ ما لم يكن في مكانه.
الفنجان الذي نسيتُه أمس
كان مكسورًا،
والقميصُ الجديد
بات يحملُ رائحةً أعرفها
من حلمٍ قديمٍ لم يحدث قط.
خرجتُ إلى الشارع
فلم أجد المقهى،
ولا محلَّ الأحذية،
ولا حتى ظلي.
بدت المدينةُ
كأن أحدًا أزاحها قليلاً إلى اليسار
وترك كل شيء في مكانه.
عند زاوية الحلم،
صادفتُ رجلاً يحملُ دفتري القديم.
سألته بدهشةٍ شاسعة:
“من أين لك هذا؟”
قال لي دون أن يرفع رأسه:
“أنا أنت،
لكنني كتبتُ النهايةَ يومًا أبكر
فانقذفتُ خارج القصّة.”
ثم سلّمني الورقةَ الأخيرة
وكانت بيضاء…
إلا من جملةٍ واحدة
بخطٍّ لا أعرفه:
“حين تكتبُ امرأةً لا تراك،
كن حذرًا…
قد تكون هي من كتبتك أوّلًا.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى