الجُغرافيا تُقايِضُ النبوءةَ ببَيتٍ من طِينٍ يَتنفَّسُ الفَقد……بقلم عمران علي (دوست)

لم يكنَ البَيتُ الطِّينيُّ بَيتاً، بل «كِينو́نةً مُنتحَلة» تتظاهرُ بأنَّها مَسكنٌ، فيما هي، في جوفِ طِينِها، حُفرةٌ تُداري غَيْباً أثقَلَ من أن يُفصِحَ عنِ اسمه. يَرتفِعُ بطابِقَيْن، لا على هَيئةِ مِعمارٍ، بل على هَيئةِ شاهدٍ تُرابيٍّ يُراقِبُ انقِراضَ العادات. الطّابِقُ الأعلى لم يكن سَقفاً فوقَ أرضٍ، بل سَماءً مُنخفِضةً تُفكِّر. والطّابِقُ الأسفَل لم يكن أرضاً تحتَ سَقفٍ، بل سِرداباً يُعاقِرُ نَوماً لا يُلامِسُ اليقظةَ إلّا بخَجَلٍ مُتوحِّش.
الجُدرانُ، المُتخثِّرةُ بلَونٍ لا هو طِينٌ خالِصٌ ولا هو جَفافٌ خالِص، كانت تَجَلُّداً مَحضاً: جِلدُ زَمنٍ بائِدٍ، زَمنٌ كان يَخلِطُ الفُصولَ بالهيئات، ويَخلِطُ المَقابِرَ بالبيوتِ حتّى لا يُميِّزَ العابِرُ بينَ مَوضِعٍ كان حيّاً يوماً ومَوضِعٍ لم يكن إلّا اجتماعَ تُرابٍ وتُراب. كانت الجُدرانُ تَتنفَّسُ ببُطءٍ ككائِنٍ يَنقَرِض، وتَرتجُّ في ليلِها حينَ تَلمسُها الرِّياح، كأنَّ الرِّيحَ تُنبِّهُها إلى عاهاتٍ قَديمةٍ لم تَعُد تَملِكُ التَّستُّرَ عليها.
أمّا النَّوافِذُ—الشُّروخُ التي تُسَمِّي نَفسَها نَوافِذَ—فكانت أفواهاً نِزاعيّة، أشبَهَ بأفواهٍ تُجرِّبُ الصُّراخَ لأوّلِ مَرّة. لا يَدخُلُ منها الضَّوْءُ إلّا كضَيفٍ فَزِع، يَمُدُّ ساقَيْه داخلَ الغُرفةِ ويَعودُ إلى الخارِجِ قبلَ أن تُغلِقَ عليه تلك الهُوَّةُ الطِّينيّةُ المُفخَّخة. الضوْءُ نَفسُه، حينَ يَمُرُّ، لا يَعرِفُ إن كان يُجالِسُ بَيْتاً أم مَقبرةً أم ذاكرةً مَسلوبةً من كَتفِ الرُّعاة.
والبَابُ الخَشَبِيُّ، المائِلُ كالإعتِذار، كان أدهى ما في الواجهة. لم يكن خَشَباً، بل هَيكلاً لِعِبْرةٍ مَكبوتة. تُمسِكُهُ المفاصِلُ المُصَدَّأةُ كما تُمسِكُ يَدُ عجوزٍ كفَّ الغائِب. وكان صَريرُهُ يَنفَلِتُ كقُطافٍ من الغيابِ: ليسَ صَوتاً، بل نُذْراً مُؤجَّلاً، كأنَّهُ يُنذِرُ الحائطَ بأنَّ زَمنَهُ انتَهى، وأنَّ كُلَّ دُخولٍ عبرَهُ لن يكونَ إلّا بصِفةٍ واحدة: «عابِراً إلى ما ليسَ لَكَ».
في الطّابِقِ العُلويّ، يَلوحُ الرِّواقُ كالنَّدبة. ضَيِّقٌ، مُلتفٌّ، مُعلَّقٌ على أخشابٍ لو نَطَقَت لقالت: نَحنُ لَسنا سَواعِد، بل عكّازاتٌ لِمَن سَقَطَ ولم يُرِد أن يَعتَرِفَ بالسُّقوط. الرِّواقُ ليسَ مَمَرّاً، بل اِنحناءةٌ عُمرُها قَرنٌ من التَّردُّد؛ لا تُفضي إلى غُرفةٍ بعينِها، بل إلى شظيَّةِ ذِكرى، إلى مَكانٍ لا يَجرؤُ الضَّوْءُ على الاِقتِرابِ منه، لأنَّه يَعرِفُ أنَّه سيُصبِحُ ضَيفاً أبدِيّاً إن فَعَل.
السَّقفُ المُسطَّحُ لا يُغطِّي شيئاً. هو جِلدٌ آخَر. طَبقةٌ من القَشِّ المُتخشِّب والطِّينِ المُمسوَّخ، تُشبِهُ ظَهرَ سُلحفاةٍ نَجَت من الحَطَب. آثارُ المَطَرِ تُنقِّطُ عليه كوشومٍ لِقَبيلةٍ مَجهولة، والطُّيورُ التي تَقِفُ عليه تُدرِكُ أنّها تَقِفُ على شيءٍ ليسَ أرضاً وليسَ سَماءً: إنَّها تَقِفُ على هَشاشةٍ مُخيفة، هَشاشةٍ قد تُسقِطُها في جوفِ البَيتِ في أيِّ لحظة، لكنَّها مع ذلك تَعودُ إليه كما يَعودُ الخائِفُ إلى مَصدَرِ خَوفِه.
في الأسفَل، تُقيمُ ذاكرةٌ أكثرُ لزوجةً من الطِّينِ نَفسِه: جِرارٌ مُفتَّتة، صَناديقُ غائبة، حِبالٌ مَفرومةٌ كأوتارٍ لم تُغَنَّ منذَ مِئةِ سنة. هناكَ يَنامُ الزَّمانُ مُتكوِّراً كحَيوانٍ أُصيبَ بالعَمى، يَلعَقُ ما تَبقّى من لَحظةٍ لم يكتمل نُضجُها. كُلُّ شيءٍ في الأسفَلِ كان كَذِباً مُدهَناً بصَدَفٍ من الحقيقة. حتّى الرُّطوبةُ لم تكن رُطوبةً، بل بُخارَ أعمارٍ لم تَجِد جَسَداً تَستَقِرُّ فيه فصَعِدت إلى الجدارِ لتتشكَّلَ كغِلالةٍ غامِضةٍ بينَ الطِّينِ والظِّل.
البَيتُ، في مجموعِ حضورِه، لم يكن شيئاً يَراكَ. كان شيئاً يُحصيك. يَكتُبُكَ كما تُكتبُ جُملةٌ في كِتابٍ لم يُقَرِّر بَعدُ إن كان رِوايةً أم كِتابَ نُبوءة. إذا وَضعتَ يَدَكَ على أحدِ جُدرانِه، لا تَشعُرُ بالبُرودة، بل تَشعُرُ بأنَّ الجدارَ يَختَبِرُكَ: يَختَبِرُ هل أنتَ لائقٌ بالعُبورِ أم مُجرَّدُ طارِئٍ لا تَستحِقُّ أن يُسجَّل في فَوضاه.
البَيتُ الطِّينيّ ذو الطّابِقَيْن ليسَ بَيتاً. إنَّه «قَصْدٌ مُستتِر»، نُسخةٌ خادِعةٌ من شَكلِ بَيتٍ ليُخبِّئ وراءَه فَمَ زَمنٍ يُريدُ أن يَبتَلِعَ آخِرَ العابِرين. إنَّه بَيتٌ لا يَنهارُ ولا يَنهَض، بل يَظلُّ واقِفاً في ذلك الهُدوءِ الذي نُسمّيه—خَطأً—هُدوءاً، وهو في الحقيقةِ عِراكٌ مَكتومٌ بينَ ما مَضى وما لم يَصِل.
ذلكَ البَيت… لا أحدَ يَسكُنُه.
ذلكَ البَيت… هو السَّاكِن.
والعابِرون هم العابِرون في بَطنِه، في جُرحِه، في ذاكِرَتِه التي لم تُغسَلْ بالمَطَرِ منذَ خُلِقَ المَطَر.









