رؤي ومقالات

إدريس آيات يكتب :فنزويلا ومنطقة الكاريبي على صفيح ساخن: أمريكا تُجهّز أكبر عملية إسقاط نظام منذ العراق

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

أغلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأجواء فوق فنزويلا، في خطوةٍ تحمل كل دلالات التصعيد الاستراتيجي، وتشي بأنّ واشنطن تتهيأ لمرحلة أكثر جرأة من مجرد العقوبات التقليدية. فبحسب صحيفة واشنطن بوست، تسيِّر الولايات المتحدة طائرات عسكرية في دوريات شبه مستمرة على أطراف المجال الجوي الفنزويلي، في ما يبدو مقدمة لعمل عسكري يجري الإعداد له بصمتٍ محسوب.
وقبل هذا التصعيد، صُنِّف ما يُعرف بـ«كارتل دي لوس سوليس» منظمة إرهابية أجنبية، وهو اتهام وجّهه البيت الأبيض مباشرة إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، باعتباره رأس شبكة ضخمة لتهريب المخدرات والفساد. مادورو من جانبه نفى الاتهامات جملةً وتفصيلًا، واصفًا الكارتل بأنه «اختراع أمريكي» يهدف—كما في كل تجارب واشنطن السابقة—إيجاد ذريعة قانونية وأخلاقية لإسقاط نظامٍ غير خاضع.
داخل فنزويلا، لم تُسقط هذه الخطوة على آذانٍ صمّاء. فقد أعلن وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز، القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن البلاد تستعد لمواجهة «عدوان وشيك»، وأن الجيش يضع خطط الدفاع من البحر الكاريبي حتى قلب العاصمة كاراكاس. وبحسب تسريبات رُشحت من القصر الرئاسي، فقد حذر ترامب مادورو شخصيًا من أن واشنطن «ستضاعف عملياتها» إذا لم يغادر السلطة خلال وقتٍ قصير.
طبعًا، نفت كاراكاس الاتهامات تمامًا، ووصفتها بأنها ذريعة لعمل عسكري أمريكي و”اختراع سياسي” لتبرير ما تخطط له واشنطن منذ سنوات. وفي المقابل، أعلن وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز أنّ “الحرب قادمة”، مؤكداً أن القوات المسلحة تستعد لمواجهة أي غزو محتمل من البحر الكاريبي، وتشير التوقعات إلى أنّ الخطة الفنزويلية لمواجهة أمريكا تتركز أساسًا على حرب العصابات، وتوظيف قوات عسكرية صغيرة في كل منطقة تجعل إدارة البلاد -حتى إن سقطت الدولة- غير قابلة للإدارة. وقد بلغ التوتر ذروته حين أبلغ ترامب مادورو مباشرة أن الولايات المتحدة ستضاعف العمليات العسكرية إذا لم يغادر السلطة خلال وقت قصير، وهو ما رفضه بشكلٍ قاطع، عازمًا على القتال حتى آخر نفسٍ من حياته.
▪️ الحشد الأكبر في منطقة الكاريبي؟
تزامن ذلك مع تحركات عسكرية لافتة: نشاط مكثف للمقاتلات في قاعدة روزفلت، ووصول مجموعة حاملة الطائرات «جيرالد آر فورد» الضاربة إلى الكاريبي. ورغم أن الخطاب الرسمي الأمريكي يصرّ على أن الهدف هو «محاربة تهريب المخدرات»، إلا أن كاراكاس ترى في هذا الحشد تكرارًا لسيناريوهات مألوفة—غزة، العراق، ليبيا—حيث يكون الشعار أخلاقيًا… والهدف سياسيًا واقتصاديًا .
عدد سكان فنزويلا يبلغ نحو 28.4 مليون نسمة، يعيش 85% منهم في شريط جبلي ساحلي في الشمال يضم أهم مدن البلاد: كاراكاس وماراكايبو وفالنسيا. ومع أنّ فنزويلا تجلس على أغنى احتياطي نفطي مؤكد في العالم—303 مليارات برميل—إلا أنّ اقتصادها لا يتجاوز 108 مليارات دولار، والسبب يعود إلى عقدين من العقوبات الأمريكية التي بدأت منذ حقبة هوغو تشافيز واشتدت في عهد مادورو، بهدف إنهاك الدولة ودفعها إلى الركوع.
غير أنّ المفارقة الكبرى تكمن في أن واشنطن التي تتهم كاراكاس بتصدير المخدرات، تُعد الولايات المتحدة أكبر سوق للكوكايين في العالم، وتعمل على أراضيها أقوى الكارتيلات، وبعضها—كما يعرف كل متابع حصيف—يتحرك تحت عين الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية التي تستخدمها كأدوات للضغط والسيطرة.
وقد جاءت أحداث الأمس لتكشف حجم المفارقة على حقيقتها؛ إذ أصدر دونالد ترامب عفوًا رئاسيًا عن بارون المخدرات ورئيس هندوراس الأسبق، خوان أورلاندو هيرنانديز، المحكوم بأربعين عامًا في السجون الأمريكية بعد إدانته—بإجماع محلّفين أمريكيين—بتهريب 400 طن من الكوكايين إلى الولايات المتحدة. غير أن ترامب أطاح بالحكم بكلمة واحدة، لا لاعتبارات “إنسانية”، بل لأن الانتخابات الدائرة اليوم في هندوراس تتطلب دعم مرشح يميني ينسجم مع رؤيته الإيديولوجية، في واحدة من أكثر صور استهزاء الإمبراطوريات بالقانون والعقل البشري.
وهذه هي المفارقة التي لطالما أثارت دهشتي في السلوك الإمبريالي اليميني: لا يهتم أصحابه بالتناقضات، ولا يجدون أنفسهم مضطرين لتبريرها أصلاً. فمن يعتنق تفوقه العِرقي بوصفه “حقيقة طبيعية” لا يرى داعيًا لإقناع أحد؛ يكفيه أن يقول ما يريد، وأن يتوقع من الآخرين التصديق. فمن السهل بالنسبة إليهم اتهام جنوب أفريقيا بارتكاب إبادة—وهي لم تفعل—أو تبرئة إسرائيل من إبادة غزة—وهي مدانة من إجماع البشرية كلها.
أما اليسار الليبرالي الإمبريالي، فهو على النقيض تمامًا؛ يخدعنا بقناع “القيم” ويسعى دائمًا لطلاء حروبه بالشرعية الأخلاقية. يعرف أنّه يكذب، ونعرف نحن أنّه يكذب، ومع ذلك يجتهد في صناعة سردية أخلاقية لمنح غزوه غطاءً إنسانيًا. أما اليمين العنصري الذي يقوده اليوم ترامب فلا يحتاج إلى كل هذا.
بالنسبة إليه، العدل هو ما يقرره، والحقيقة هي ما يراها من زاوية إيمانه بتفوقه، يحكم على رئيس دولة ذات سيادة مثل فنزويلا أنه زعيم كارتيل مخدرات، وفي نفس الليلة يصدر عفوًا عن رجل مدان حقًا لأنّه يخدم أجندة اليمين، ولا يجد نفسه ملزمًا بتبرير شيء لأي أحد—لا لأمم، ولا لشعوب، ولا لمؤسسات دولية.
لهذا، من السذاجة تصديق أن واشنطن تقتل الأبرياء في قوارب الكاريبي «حربًا على المخدرات». فالحقيقة الصلبة أنّ ما يجري هو حربٌ على النفط. ففنزويلا، صاحبة أكبر خزانات الذهب الأسود في العالم، لا تمنح واشنطن الامتيازات التي تريدها، وتتعامل اقتصاديًا مع الصين، وتقنيًا وعسكريًا مع روسيا. هذا كافٍ لإشعال كل «الغضب الإمبراطوري» في البيت الأبيض.
▪️ كيف توقعناها؟
قبل أربعين يومًا كتبتُ هنا تحليلًا أثار جدلًا واسعًا، حين أعلنت المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا—أو بالأصح حين مُنحت، بلا أي مسوّغ منطقي—جائزة نوبل للسلام. قلت يومها إن الجائزة ليست إلا خطوة تمهيدية لتلميع «البديل الناعم» الذي ترغب واشنطن في وضعه مكان نيكولاس مادورو. وقد استندت في حكمي إلى تصريحاتها الصريحة: فهي التي وعدت، في لحظة سقوط أخلاقي مكشوف، بأن تمنح الشركات الأمريكية امتيازات التنقيب عن النفط والمعادن الثمينة، وأن تدعم إسرائيل، وأن تنقل سفارة فنزويلا إلى القدس فور وصولها إلى السلطة. لم يكن الأمر يحتاج إلى جهد كبير لفهم الرسالة.
وختمت تحليلي حينها بجملة قلت إنها مؤسفة لكنها واقعية: “قرار الحرب على فنزويلا قد اتُّخذ بالفعل في واشنطن.”
أتذكر احتجاجات البعض، والسؤال المعتاد: وما العلاقة بين جائزة نوبل والحرب على دولة؟ وقد شرحت يومها أسبابي، ومن شاء فليرجع إلى المقال.
التميّز الاستراتيجي، كما يقول صن تزو في «فن الحرب»، ليس في توقع ما يراه الجميع، فالرعد دليل على المطر، والحديث عن ذلك ليس عبقرية؛ بل التميز الحقيقي هو أن ترى البذرة قبل أن تنبت، وأن تستشرف ما سيحدث قبل أن يتشكّل.
▪️الأبعاد الدولية لطبول الحرب؛ أو ماذا عن حلفاء فنزويلا؟ الصين، روسيا، كوبا، إيران، كولومبيا؟
المؤلم حقًا هو وضع الحكومة اليسارية في كاراكاس اليوم. هذه الحكومة التي صمدت وحدها لعقود أمام الضغوط الأمريكية، وعاش شعبها تحت خط الفقر بفعل العقوبات المتلاحقة، بإمكانها—لو أرادت—أن تنقاد لإملاءات واشنطن مقابل تحسين معيشي سريع، لكنها اختارت طريقًا أصعب: الكرامة الوطنية وعدم الخضوع. إلا أنها تجد نفسها اليوم وحيدة تمامًا أمام حرب تُعدّ لتغيير النظام، حرب لا تريد ضبط السلوك بل اقتلاع السلطة من جذورها.
ولا يبدو أن هناك مظلة حماية حقيقية. فالتقارير تشير إلى أن مادورو تواصل شخصيًا مع كل من موسكو وبكين لطلب الدعم، لكن لا دليل على أن أيًا منهما قد استجاب أو حتى لمح بالاستعداد للوقوف إلى جانب فنزويلا في مواجهة العاصفة القادمة، كما فعل الغرب مع أوكرانيا.
وربما—وأقول هذا بحذر لغياب الدليل القاطع—قد تكون واشنطن قد ضمّت ملف فنزويلا إلى صفقة أكبر تتعلق بإنهاء الحرب في أوكرانيا: غضّ طرف روسي هنا… مقابل مكسب هناك.
وفي هذا السياق؛ شهد البحر الأسود خلال اليومين الماضيين استهداف ناقلتي النفط فيرات وكايروس التابعتين لأسطول الظل الروسي بالقرب من السواحل التركية، قبل أن تعلن أوكرانيا مسؤوليتها عن الهجوم.
يُعدّ “أسطول الظل” العمود الفقري لشحن النفط الروسي وتجاوز العقوبات الغربية، كما يمثّل المصدر المالي الأهم لموسكو منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
لكن السؤال الذي تطرحونه جميعًا: ما علاقة التصعيد الأميركي تجاه فنزويلا باستهداف سفن النفط الروسية في البحر الأسود؟
ربما الإجابة، تأتينا من تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ في 21 من الشهر الجاري كشف أن ناقلة النفط الروسية Seahorse حاولت نقل شحنة “نافتا” إلى فنزويلا—وهي مادة تُخفّف بها كاراكاس نفطها الثقيل قبل التصدير—إلا أنّ المدمّرة الأميركية USS Stockdale اعترضتها وأجبرتها على تغيير مسارها نحو كوبا. حاولت الناقلة العودة مرتين إلى السواحل الفنزويلية لكنها عدلت مسارها في كل مرة تحت الضغط الأميركي.
ومع ذلك، لم تتأخر موسكو في الرد. ففي 23 من الشهر ذاته، وصلت السفينة الروسية Vasily Lanovoy إلى السواحل الفنزويلية محمّلة بـ 300 ألف برميل من النافتا. والأهم من ذلك أنّ فنزويلا أعلنت قبل أيام وقف استيراد النافتا الأميركية بشكل كامل، والاعتماد على الإمدادات الروسية فقط، ما جعل واردات واشنطن إلى كاراكاس “صفرًا” للمرة الأولى.
وبين مارس وأكتوبر وحدهما، زوّدت روسيا فنزويلا بأكثر من 7 ملايين برميل من النافتا، في خطوة تُعدّ تحديًا مباشرًا لنفوذ واشنطن في “حديقتها الخلفية”.
وبين موسكو وكاراكاس حزمة اتفاقيات تمتد إلى قطاعات تُعتبر حساسة بالنسبة لواشنطن؛ الطاقة، الغاز الطبيعي، المعادن، وحتى الطيران المدني. وقد شهدت الأيام الأخيرة توقيع 42 اتفاقية جديدة عبر تقنية الاتصال المرئي، شمل جميع القطاعات.
وعودةً إلى استهداف سفن روسيا؛ فالسؤال الأكثر حساسية ليس “من نفّذ الهجوم؟” بل:
هل كان ترامب يحاول تسريع اتفاق سلام يمنح روسيا جزءًا من أهدافها في أوروبا مقابل تحييدها عن الأزمة الفنزويلية؟ قد يكون ذلك واردًا.
في المقابل، قد يكون الاستهداف رسالة أميركية مباشرة مفادها: اللعب في الحدائق الخلفية محظور.
وأن مجالات الطاقة والمعادن خط أحمر لا يسمح لروسيا بعبوره، وأنّ فنزويلا ستكون إحدى الساحات التي ستحسم عليها معارك النفوذ الدولية في السنوات المقبلة
▪️ماذا عن الصين؟
أما الصين، فلا أعتقد أنها ستجازف بخوض مواجهة مباشرة على بعد آلاف الكيلومترات من حدودها وهي ترى واشنطن تلمّح بوضوح إلى فتح ملف تايوان إذا لزم الأمر. وأظن أن تلك الرسالة أُرسلت بشكل أوضح من أي وقت مضى الأسبوع الماضي، حين دفعت واشنطن رئيسة وزراء اليابان إلى التصعيد قرب جزر متنازع عليها مع الصين وملف تايوان، قبل أن تأمرها—في غضون ساعات—بالتوقف.
ماذا حدث؟
اندلعت الأزمة الأخيرة بين الصين واليابان بعد تصريحات لرئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي اعتبرت فيها أي هجوم صيني على تايوان “تهديدًا وجوديًا لليابان”، ما يمنح طوكيو حق اللجوء إلى “الدفاع الجماعي”. وبكين رأت في ذلك تجاوزًا لخطوطها الحمراء وردّت بلهجة حادة، تلاها منشور تهديدي من قنصلها في أوساكا أدى إلى استدعاء السفير الصيني. تفاقم التوتر مع إصدار الصين تحذيرات سفر، وتعليق فعاليات ثقافية يابانية، وبدء اضطرابات اقتصادية محتملة مع إعادة اليابان تقييم سلاسل التوريد. وعلى المستوى الأمني، ارتفع منسوب المناورات البحرية حول الجزر المتنازع عليها، ما أعاد إبراز ملف تايوان بوصفه بؤرة اشتعال إقليمي.
قراءاتي أنّ التراجع الياباني الفوري، بعد الغضب الصيني كان بحد ذاته جزءًا من الإشارة الأمريكية:
يُسمى هذا الأسلوب في الدراسات الاستراتيجية:
إظهار القدرة على الإيذاء دون استخدامه، أو ما يعرف بـ Strategic Signaling، أي إرسال إشارة توضح حدود اللعبة قبل اندلاع المواجهة.
“نستطيع إزعاجك في محيطك، فلا تتدخلي في معركتنا القادمة في الكاريبي.”
واليوم، تقف فنزويلا وحدها على الأرجح أمام أكبر آلة عسكرية في العالم، فقط لأنها رفضت أن تكون بئر نفط أمريكي جديد. أما ماذا سيحدث، وعن دول اتحاد الجنوب أمريكي، وأقرب حليفين يساريَيْن لفنزويلا في المنطقة، كولومبيا وكوبا، وكيف يمكن للأرجنتين وفنزويلا أن تمنع من تتحول الحرب من ضربة خاطفة، إلى شاملة، سنتناولها في تحليل آتٍ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock