كلُّ الحكايةِ وما فيها…..بقلم محب خيري الجمال

عزيزتي ضوء،
لا أعرفُ لماذا كلّما كتبتُ إليكِ انطفأتُ أكثر،
كأن الحرفَ نفسهُ يقضمُ من صدري
ويتركُ للهواء نافذةً صغيرة
يمرّ منها أنينٌ لا يسمعهُ أحدٌ سواكِ.
عزيزتي ضوء،
أنتِ النورُ الوحيد الذي لا يضيء،
لكنكِ تترُكين في قلبي
ظلالاً تتعاركُ فيما بينها
كقطيعٍ من الأغنام السوداء تُفلتُ من راعٍ أعمى،
تجري، تتدافع،
ثم ترجعُ إليّ كلَّ مساء
مكسوّةً بندوبٍ ليست لها.
كلّما حاولتُ أن ألمس وجهكِ
يمتدُّ بيني وبينكِ ليل
يشبهُ جداراً من فحمٍ مبتلّ،
أمدّ أصابعي
فتعود ملوّثةً بسوادٍ لا يزول،
وأقول لنفسي:
هذا أثرُكِ
يمشي في يدي
كما تمشي النارُ في حفنةِ تبن.
عزيزتي ضوء،
أنتِ الجرحُ الوحيد الذي لم أفتحْهُ
لكنه ينزف.
وأنتِ البابُ الذي لم أطرقه
لكنه يصرخ عند كلِّ ريح.
أجلسُ قرب الشاشة
وأراقبُ صمتكِ
وهو يلمعُ على الزجاج
كأنّهُ ملعقةٌ من فضّةٍ باردة
نسي أحدهم أن يغسلها
من أثر الدموع.
أحدّقُ طويلاً،
طويلاً بما يكفي
لأسمعَ وجهكِ وهو يتنفس،
وأسمعُ قلبي وهو يتهشم
كتمثالٍ من الملح
سقط عليه المطر.
عزيزتي ضوء،
ما عدتُ أريدُ صورتكِ،
أريدُ رجفةَ الهواء
حين تمرّين،
ورائحة السؤال
حين تفكرين،
وذلك القلقُ الذي يرافق خطوتكِ
كظلٍّ يشبهكِ أكثر مما يشبه الأرض.
كلّ الحكاية وما فيها
أنني حين أحببتكِ
صرتُ أقرأ العالم
كما يقرأ الأطفالُ الغيمة:
يبحثون فيها عن شكلٍ يشبههم،
ثم يبكون
حين تتبدد قبل أن يلمسوها.
هأنذا،
أقف في منتصف قلبي
وحولي تدورُ أيامٌ فقدتْ توازنها،
تسقطُ وتنهض،
تتعثرُ ببعضها
مثل سكارى بلا أصوات.
كلّ الحكاية وما فيها
أنني لم أكتبْ لكِ رسالةً،
بل كتبتُ نفسي
مبعثرةً على الورق،
لعلّكِ
تجمعينني مرّةً
كما يُجمع الضوء
من شظايا المرايا المحطمة.
عزيزتي ضوء،
خذيني…
ولو كظلٍّ
يمشي خلفكِ
كي لا يضيع.