رؤي ومقالات

أشرف الصباغ يكتب :في عام 2026 القوة العسكرية الاقتصادية التكنولوجية الأعظم على الكرة الأرضية تتحول إلى قوة “تجارية- عسكرية”

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

ندخل العام الجديد 2026 إلى بداية عالم جديد تماما تتحول فيه القوة العسكرية الاقتصادية التكنولوجية الأعظم على الكرة الأرضية إلى قوة “تجارية- عسكرية” تعمل على تفكيك العالم، وعقد صفقات منفردة تحافظ لها على مكانة الصدارة والقيادة والتفوق. وهذا النزوع بحد ذاته جزء أصيل وجوهري من فكرة “تفكيك العالم” التي تجري، وستجري، حتى لو أرادت الولايات المتحدة نفسها إيقافه عند حد معين.
في عام 2026 سنشاهد بأنفسنا وبأعيننا بدايات التحولات الجوهرية التي بدأتها الولايات المتحدة- الترامبية، لكنها لن تستطيع إيقافها أو الحفاظ لنفسها على مركز الصدارة فيها، إلا في حالة واحدة فقط، ألا وهي شن عدة حروب مباشرة، أو العمل على نشوب حروب في نقاط معينة على الكرة الأرضية.
دول مثل الصين وروسيا، لا تسعى لإيقاف هذه التحولات، لأنها ببساطة تعرف أن هذا هو مجرى التاريخ، ومنطق “التحولات”، لكنها تحاول الاستفادة منها وتحقيق أكبر قدر من المصالح، والحفاظ لنفسها على موطئ قدم في عالم ما بعد عام 2026. ليس فقط موطئ قدم، وإنما المشاركة في صياغة العالم الجديد. بينما مناطق مثل أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، إضافة إلى اليابان وأستراليا، ستواجه مشاكل وأزمات كثيرة وستدفع أثمانا فادحة. وقد تكون هناك دول مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا قادرة على البقاء- منفردة أو متحالفة- لكن مقابل فواتير باهظة الثمن. وإلى جانب هذه الدول، هناك احتمالات بأن تحافظ دول مثل السعودية والإمارات وقطر على شكل من أشكال الوجود، ولكنه ليس الوجود القديم السابق. ويمكن أن نضيف إليها الدول الإسكندنافية.
المسألة الآن، ليست الحرب الأوكرانية، بقدر انطلاق “جن” التغيير والتحولات في منظومة عالمية تعاني من الترهل على كل المستويات. وتسعى الولايات المتحدة الترامبية لاستخدام جبروتها العسكري الاقتصادي التقني فيها للحفاظ على مركز الصدارة، ومن ثم تحولت إلى قاطرة لهذه التحولات. لكن لا توجد أي ضمانات بأن تخرج واشنطن رابحة 100% أو حتى 90%، لأن الدولة الأمريكية نفسها تعاني من ترهلات شبيهة بترهلات الاتحاد السوفيتي السابق، وشبيهة أيضا بترهلات الاتحاد الأوروبي الحالي.
والسؤال هو: هل تستطيع الولايات المتحدة التي تحولت إلى قوة تجارية عسكرية أن تقود هذه التحولات، وتحافظ على مكانتها الرائدة والأولى والطليعية فيها، في ظل حالة من عدم اليقين، وفي ظل وجود قوى أخرى ترى من حقها احتلال مكانة متقدمة، ومشاركة على قدم المساواة مع الولايات المتحدة الترامبية، حتى وإن كانت هذه القوى تنافق ترامب وتتملقه؟ وهل القوة التجارية العسكرية (التي حلت محل القوة العسكرية الاقتصادية التكنولوجية) يمكنها أن تقود التحولات الجديدة بعقد صفقات منفردة أو الترويج لصورة ذهنية مزيفة عن نفسها؟
الدول المغلقة مثل كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا، ستواجه مصائر مختلفة. وقد تظل منغلقة حتى إذا جرت فيها وحولها تحولات ما. أما الدول الفاشلة، والدولة الخارجة عن مسار التاريخ، مثل أفغانستان واليمن والصومال وسوريا والعراق وليبيا، فلا يمكن لأحد الآن أن يتنبأ بمصيرها ومصائر شعوبها.
هذه العملية التاريخية- إذا جاز التعبير- ليست وليدة اللحظة، بل وليدة تراكمات ثقيلة وتناقضات حادة. وهي أيضا لا تتم ولا تكتمل في التو واللحظة، وإنما ستستغرق وقتًا ليس قصيرًا. لكن المهم أنها بدأت، وستظهر ملامحها تدريجيا في عام 2026. لا أحد يمكنه تحديد الفترة الزمنية التي ستستغرقها هذه التحولات. لكن من الممكن أن يحاول بعض الدول الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على الصمود خلال هذه التحولات المربكة. لا أدري كيف، لكن التوقف أو العودة إلى الوراء، أو السعي للحفاظ على أنساق وقيم ومعادلات وتحالفات قديمة سيكون مقرونًا بالفشل.
حالة التوحش الأمريكية مقرونة بحالة توحش من جانب الصين وروسيا. وأول ضحية لهذا التوحش هي أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية.
عام 2026 سيشهد تحولات دراماتيكية أمام توحش هذه القوى الثلاث. في هذه الحالة من التوحش يتضاءل الإنسان كثيرا، بل يكاد يتلاشى مهما حاولت ألات وأدوات الدعاية الفاشة في الولايات المتحدة والصين وروسيا رفع شعارات إنسانية، وخداع العالم وتضليله بالمواعظ والعادات والتقاليد والديانات. وهذا لا يعني إطلاقا الاعتقاد بأن اتفاق الولايات المتحدة والصين وروسيا يمكنه أن ينقذ العالم. بل العكس هو الصحيح، وتوافق ثلاث قوى فاشية يمكنه أن يحول العالم إلى غابة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock